صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
العراق بين وهم التنويع الاقتصادي وحقيقة الاعتماد النفطي


المشاهدات 1049
تاريخ الإضافة 2026/05/24 - 8:41 AM
آخر تحديث 2026/05/24 - 10:25 PM

العراق بين وهم التنويع الاقتصادي وحقيقة الاعتماد النفطي

د. منتظر ناهي الزيدي

في خضم الحديث المتصاعد عن تنامي الإيرادات غير النفطية في العراق، والتي تشير بعض التقديرات إلى تجاوزها حاجز الـ10% من إجمالي الإيرادات العامة، يبرز سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: هل نجح العراق فعلاً في بناء اقتصاد غير نفطي، أم أننا أمام إيرادات “مرتبطة بالنفط بصورة غير مباشرة”؟

هذا السؤال ليس تشاؤمًا اقتصاديًا، بل محاولة لإعادة تعريف مفهوم “التنويع الاقتصادي” بعيدًا عن الأرقام المجردة. فمعظم الإيرادات التي تُصنّف اليوم على أنها غير نفطية كالضرائب، والكمارك، والجبايات، ورسوم الخدمات - تعتمد في جوهرها على دورة الإنفاق النفطي نفسها. أي أن النفط لا يزال المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، والاستهلاك، والاستيراد، وحركة السوق، وبالتالي فإن أي هزة كبيرة في أسعار النفط أو الصادرات النفطية ستنعكس بصورة مباشرة على هذه الإيرادات “غير النفطية”.

بمعنى أكثر وضوحًا: الاقتصاد العراقي ما زال يدور داخل المدار النفطي، حتى وإن تغيّرت التسميات المحاسبية للإيرادات.

العراق اليوم أمام مفترق تاريخي لا يتعلق فقط بزيادة الإيرادات، بل بطبيعة هذه الإيرادات، ومدى استدامتها، وقدرتها على الصمود أمام التحولات الدولية العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي. فالعالم لم يعد يتحرك ضمن منطق النفط الخام التقليدي، بل يتجه تدريجيًا نحو اقتصاد الكربون المنخفض، والهيدروجين، والغاز الطبيعي، والطاقة النظيفة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

وهنا تكمن القضية الجوهرية: العراق لا يحتاج فقط إلى زيادة صادراته النفطية، بل إلى إعادة هندسة سلسلة القيمة لقطاع الطاقة بالكامل.

إن بيع النفط الخام بوصفه مادة أولية فقط، في عالم يتجه نحو الصناعات التحويلية المتقدمة والطاقة النظيفة، يعني أن العراق قد يبقى رهينة لتقلبات السوق العالمية، بينما تتحول الدول الأخرى إلى مراكز صناعية وتقنية تحقق أضعاف القيمة المضافة من البرميل ذاته.

من هنا، فإن الأولوية الاستراتيجية يجب أن تنتقل من “تعظيم الإنتاج الخام” إلى “تعظيم القيمة المضافة”. أي التوسع في:

أ/ الصناعات البتروكيمياوية.

ب/استثمار الغاز الطبيعي وتقليل الحرق.

ج/ مشاريع التكرير المتقدمة.

د/إنتاج الهيدروجين الأزرق والأخضر.

الصناعات المرتبطة بالطاقة والأسمدة والمواد الكيمياوية.

ه/ بناء سلاسل إمداد وطنية مرتبطة بالطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.

فالعالم القادم لن يقيس قوة الدول النفطية بعدد الآبار فقط، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى منظومات صناعية وتقنية متكاملة. إن أخطر ما يواجه الاقتصاد العراقي اليوم ليس انخفاض أسعار النفط بحد ذاته، بل استمرار التفكير ضمن أفق قصير الأمد يركّز على إدارة الحاضر دون استشراف المستقبل. فالدول التي نجحت اقتصاديًا لم تكن الأغنى بالموارد فحسب، بل كانت الأكثر قدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها. وفي هذا السياق، فإن العراق بحاجة إلى عقل استراتيجي جديد في إدارة الاقتصاد والطاقة، عقل ينتقل من “اقتصاد الإيراد” إلى “اقتصاد القيمة”، ومن “بيع المورد” إلى “إدارة سلسلة القيمة”، ومن “الموازنة السنوية” إلى الرؤية الوطنية طويلة الأمد.

لقد أشرنا في مؤلفنا “هندسة الاقتصاد الوطني العراقي نحو اقتصاد مستدام” إلى أن التشوه الحقيقي في الاقتصاد العراقي لا يكمن فقط في الاعتماد على النفط، بل في طبيعة الهيكل الاقتصادي الذي تشكل حوله؛ هيكل استهلاكي ريعي ضعيف الإنتاجية، شديد الحساسية للصدمات الخارجية، ومحدود القدرة على خلق الثروة المستدامة. ولهذا فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ من إعادة هيكلة الاقتصاد نفسه، لا من الإجراءات المالية المؤقتة فقط. فالإصلاح لا يعني زيادة الضرائب أو الرسوم فحسب، بل يعني بناء قطاعات إنتاجية حقيقية قادرة على خلق تدفقات نقدية مستقلة عن تقلبات النفط الخام.إن العراق يمتلك فرصة تاريخية نادرة، ليس فقط بسبب موارده النفطية والغازية الهائلة، بل بسبب موقعه الجغرافي وقدرته المحتملة على أن يكون مركزًا إقليميًا للطاقة وسلاسل الإمداد والصناعات التحويلية. لكن هذه الفرصة قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، لأن العالم يتحرك بسرعة نحو معادلات جديدة للطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا.

وفي عالم يعيد كتابة خرائط الطاقة والنفوذ الاقتصادي، فإن الدول التي تفكر بعقلية المستقبل هي وحدها القادرة على حماية أمنها القومي الاقتصادي، وضمان استدامة أجيالها القادمة.


تابعنا على
تصميم وتطوير