
لماذا يتجاهل الإعلام هذه القضايا المصيرية؟
د. ياسر عبد العزيز
تحفل وسائل الإعلام كل يوم بأخبار عاجلة وأحداث متسارعة، فلا تكاد تمضي ساعة من دون أن تطالعنا العناوين بتحذيرات من خطر هنا أو أزمة هناك. ومع ذلك، فهناك قضايا جسيمة تهدد مستقبل العالم، لكنها تعاني تجاهلاً، أو تقليلاً من أهميتها، من قِبل الإعلام.
تأتي قضية التغير المناخي في مقدمة تلك القضايا بكل تأكيد؛ فتغير المناخ يوشك أن يقلب موازين الحياة على الأرض، ومع ذلك لا يزال البعض ينكره، أو يستهين بخطورته. حتى إن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا قال - في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الأطراف الثلاثين للمناخ (كوب 30)، الذي انعقد خلال الشهر الحالي في بلاده - إن «الوقت قد حان لإلحاق هزيمة جديدة بمن ينكرون حصول التغير المناخي».
وإضافة إلى قضية التغير المناخي، فإن مسألة «الذكاء الاصطناعي الفائق» تطرح بدورها مخاطر عظمى، بينما لا يُظهر الإعلام الاستجابة المناسبة لها. وفي تلك القضية الشائكة، يُحذر علماء بارزون من عواقبها المحتملة على البشر، ومع ذلك لا يدرك كثيرون أبعادها الكاملة.
وتأتي قضايا مثل صعود التطرّف اليميني، وتزايد الحملات ضد المهاجرين، بما قد يقوّض استقرار المجتمعات، أو انخفاض معدلات المواليد في الغرب، بشكل يهدد شكل الأسرة التقليدية والنمو السكاني المتوازن، لتطرح الأسئلة ذاتها عن دور الإعلام ومسؤوليته.
فهذه القضايا كلها ليست سوى قنابل موقوتة، عالية الخطورة، لكن حضورها في المشهد الإعلامي لا يزال دون المناسب والمأمول.
فما الأسباب التي تجعل الإعلام يُخفق في إيلاء الاهتمام الملائم لمثل هذه القضايا المصيرية؟ وهل يكمن السبب الرئيس في كونها مخاطر مؤجلة لا آنية؟
في صميم المشكلة، يبرز أحد أهم ملامح المنطق الإخباري؛ أي التركيز على الآني والطارئ على حساب البطيء والمتراكم. فوسائل الإعلام تُلاحق ما يسترعي انتباه الجمهور فوراً؛ مثل الكوارث اللحظية، والفضائح السياسية، والجرائم والصراعات المباشرة. أما الأخطار التي تتشكل تدريجياً في الأفق البعيد فلا تحظى بالزخم نفسه. فالخبر، بحكم طبيعته المهنية والسوقية معاً، يُقاس بسرعة تأثيره في الوعي العام، لا بعمق أثره في مصائر الغد. ولهذا تميل غرف الأخبار، حتى حين تعترف بخطورة تلك الملفات، إلى دفعها نحو الهوامش، أو انتظار لحظة انفجارها كي تمنحها موقعاً في الصفحات الأولى. الطبيعة المؤجلة لهذه المخاطر لا تُبرئ الإعلام، لكنها تفسر ميله إلى تأجيل الاهتمام، حتى تصبح الخسائر واقعاً، أو الخطر وشيك الحدوث.
ثم إن هذه القضايا ذاتها حافلة بالتعقيد ومبتعدة عن التجربة اليومية المباشرة للجمهور. فتغير المناخ قضية علمية واسعة التشابك؛ ولفهم أبعادها يحتاج المرء إلى استيعاب بيانات واستنتاجات عن الانبعاثات ودوائر الاقتصاد والسياسات العالمية، وإلى تصور أثر تراكمي يقع على مدى طويل. وأما «الذكاء الاصطناعي الفائق» فهو مفهوم تقني تجريدي، يزداد غموضه كلما تسارع التطور، ويصعب على غير المتخصصين تقدير حدوده ومآلاته. فمثل هذه الموضوعات تتطلب من الإعلام تقديم سياق مُعمق، وتحليلات رصينة، وهو جهد أصعب بكثير من تبسيط حدث آني، أو سرد حكاية شخصية مثيرة. ولتلك الأسباب، فإن الإعلام عادة يختار الطريق الأسهل، فيكتفي بتغطية سطحية أو موسمية.
وإضافة إلى ذلك، فإن الجانب الاقتصادي لصناعة الإعلام يطرح بدوره سبباً لا يمكن إغفاله. فالمنافسة الشرسة على الجمهور والإعلانات تفرض إيقاعاً محموماً على غرف الأخبار؛ إذ ثمة سعي دائم لإنتاج مواد تجذب النقرات والمشاهدات بأقل كلفة وفي أسرع وقت. التحقيقات المُعمقة والتقارير العلمية الرصينة تتطلبان وقتاً، ومحررين ذوي خبرة، ومراسلين متخصصين، ومراجعة دقيقة، بينما العائد الجماهيري منهما غير مضمون، في سوق تقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بمقدار الوعي المتولد. لذلك تغلب المواد السريعة، وتُختزل القضايا المركبة إلى عناوين خاطفة، أو لقطات عابرة.
يتضافر مع ذلك عامل نفسي لا يقل وطأة؛ فالجمهور نفسه يعيش انحيازاً للحاضر والآني. الإنسان بطبعه يتعامل مع ما يمس معيشته الآن، ويؤجل الخوف من كوارث مستقبلية غير مرئية. وحين تتكرر التحذيرات دون مشاهد فورية ملموسة، يتولد شعور بالعجز أو الإنهاك، فيُفضل الناس الهروب إلى أخبار أخف وطأة أو أكثر سهولة.
تغيب معالجات القضايا التي تطرح مخاطر كبرى مؤجلة عن أقنية إعلامية كثيرة، وضمن هذا الغياب يُترك النقاش الجدي لغرف المختبرات والدوائر المتخصصة والأبحاث المُعمقة، بينما يتلقى الجمهور قصصاً أكثر سهولة ومباشرة وآنية وجاذبية.
هكذا لا يتكون وعي جمعي متين بقضايا قد تحدد مصير البشرية في هذا القرن، ولا تُبنى ضغوط اجتماعية كافية على الحكومات والشركات لتطوير سياسات أمان ورقابة توازي سرعة التطور.
نقلا عن " الشرق الأوسط"