صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الإثنين 2025/12/1 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
إفطار في نيويورك وصداه في بغداد


المشاهدات 1060
تاريخ الإضافة 2025/11/26 - 9:52 AM
آخر تحديث 2025/11/30 - 10:41 PM

إفطار في نيويورك وصداه في بغداد

مظهر محمد صالح

 

استيقظتُ صباحًا، واستيقظتْ معي نيويورك، منهاتن الساحرة، على وقعِ خطوات أهلها في باكرة ربيعية، وأرصفةٍ تلامس القلب مع كل نسمة، وسط تنوّع بشري قلّ نظيره.

خرجتُ من غرفتي الفندقية متّجهًا نحو كافتيريا صغيرة، بسيطة وأنيقة في آن واحد ، تطلّ على شارع 42 الشهير، حيث تنهض محطة نيويورك المركزية بقامتها المعمارية المهيبة منذ افتتاحها في العام 1913 على طراز البوزار الفخم.

دخلتُ ذلك المطعم الصغير المكتظ بهدوءٍ جميل، يلتقي فيه العمّال والموظفون قبل انطلاقهم إلى أعمالهم.

طلبتُ بيض “عين الشمس” مع الخبز الأسمر وفنجان قهوة بالحليب ، وشعرتُ بخفة عجيبة ،شعور بالحرية وبساطة العيش ، وشيء من التخلّي عن قيود الإفطار البروتوكولي لفنادق منهاتن اللامعة. كان المشهد بأكمله جزءًا من لوحة بشرية رائعة لمدينة ترتفع على بحر من الأبنية الشاهقة التي لا يشبهها في العالم شيء.

مرت سنوات ليست بعيدة، واستيقظتُ اليوم على مائدة إفطاري في صباح خريفي من بغداد، فخطر في بالي مشهدٌ رمزي سريع جمع بين عالمين:

نيويورك وبغداد.

تذكرتُ من فوري برج ترامب المهيب، وتذكرتُ سكّان المدينة الذين يميل أغلبهم إلى البساطة، يتقدمهم اليوم العمدة الشاب زهران ممداني من جيل الـ Z، الذي انتصر لليسار والإنسانية في مدينة معقدة معماريًا واقتصاديًا، وهي في قلب مرتكز رأسمالي لا ينام. وتذكرتُ ذلك الصباح النيويوركي في كافتيريا صغيرة على شارع 42، تتدلّى على جدرانها صور “قطة نيويورك البيضاء (مارلين مونرو ) إلى جانب ظلّ زوجها الكاتب المسرحي الكبير ( أرثر ميلر ) الذي ازدانت نصوصه بمسارح برودواي في نيويورك ، بكتاباته:موت بائع متجول إلى مشهد من الجسر ، والبوتقة.

لكن كل ذلك تراجع حين أُتيحت لي قبل أشهر فرصة تناول إفطاري في كافتيريا بسيطة في حي الصدرية ببغداد.

هناك، ظهرت صورة مارلين مونرو باللون الابيض والاسود من ذاكرة نيويورك في مخيلتي الشرقية، ثم تلاشت أمام صوت بغداد العتيق: أحاديث الزبائن، قوري الشاي، أطباق الإفطار التي تتوزع على الطاولات بسرعة ودفء. عندها قلت في سري:

الحياة في شارع 42 النيويوركي، والصدرية البغدادية، تصنع الذوق نفسه، والحرية ذاتها، في مناخ إنساني مشترك أساسه قطعة خبز أسمر.

تاملت ضوء من الشمس المنعكس أمام إستكان شاي الصدرية، و ظهرت حينها وجوه تنبع من بساطة خالصة، بملامح افتتان بالحياة رغم مرارتها.

وما بين مجتمع بغداد ومدينة نيويورك تشكلت مفارقة جميلة: عالمان مختلفان في كل شيء، لكنهما يلتقيان على طاولة إفطار واحدة.

في نهاية المطاف، تبقى المعاني ثابتة:

الخبز الأسمر يظل رمزًا للوطن،

والبيض “عين الشمس” رمزًا للأمل،

والقهوة رمزًا لمرارة الحياة التي تُرتشف بابتسامة واحدة.

فالمدن تتغيّر، لكن الإنسان هو المشترك الأكبر في كل الخرائط ، يحمل صباحه أينما ذهب، ويأكل خبزه بالملامح نفسها مهما تغيّر شكل المائدة.


تابعنا على
تصميم وتطوير