
هسهسات الضوء: قراءة في أنطولوجيا الروح العراقية
د. خالد قنديل
عضو مجلس الشيوخ المصري
في ستمائة وخمس صفحات من القطع المتوسط، صدر كتاب "هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية" للكاتب والمفكر العراقي البارز الدكتور عبدالحسين شعبان، وبين دفتي هذا الكتاب الذي يستعرض ثراء فكريًا وثقافيًا وسياسيا وأدبيًا بمثابة طريق طويل من الضوء عبر أربعين نبراسًا تناولهم المؤلف في بانورما شاملة، أسهمت في تشكيل ملامح الوعي والثقافة العراقية، وهو ما يبدو من أولى عتبات الكتاب في عنوانه الذي بدا كأنه مقاربة شعرية تنحاز لجمال فارق عبر الهسهسة باعتبارها إيقاعًا خافتًا متزنًا متناغمًا، ومصدرها ضوء لا يخفى تأثيره وصولًا إلى شمولية هذا التأثير والفعل الثقافي ومن ثم الـ"الأنطولوجيا".
ولم يكن عبدالحسين شعبان وهو يكتب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» يطارد أسماءً يضمها في كتاب، ولا كان مشغولاً بجمع سيرٍ تتباهى بها الرفوف، بل يتضح جليًا أنه كان يبحث عن معنى أعمق، معنى يشبه النبض الذي يظل حياً في جسد وطن، مهما أنهكته العواصف.
ولذلك مضى، كمن يحمل قنديله الخاص، يتتبع أثر أربعين نبضًا عراقيًا تركوا إيقاعهم وبصمتهم في دنيا بلاد الرافدين، وأبقوا دربًا من السنا الطويل تهتدي به الأجيال في رحلة الوطن الذي يمشي بإرث حضاري لا تنقطع روافده من أبنائه.
أربعون رمزًا لم يجمعهم زمن واحد، ولا ظروف واحدة، لكن الأكيد أن وطنًا واحدًا جمعهم وحلمًا واحدًا لهذا الوطن أن يظل حاضرًا في الزمان والمكان، ففي هذا العمل الموسوعي، يهدينا المفكر الدكتور عبدالحسين شعبان قراءة مستفيضة لسيرة أربعين شخصية متنوعة المشارب الاجتماعية والفكرية، وإنجازاتهم في اتجاهات فكرية وتخصصات مختلفة، مازجًا بين السوسيولوجي والأنثروبولوجي، لنحصل في نهاية المطاف على تكوين معرفي نموذجي شاملٍ لحقول المعرفة والثقافة والفنون والفكر والآداب ببلاد الرافدين، ومن ثم يمكن الاعتداد بهذا المُؤلَف كمرجع استرشادي للباحثين والمثقفين من أبناء الأمة، والمهتمين بالشأن الثقافي العراقي.
وفي الواقع لا عجبَ أن يكون بين يدي القارئ العربي والعراقي مثل هذا الكتاب المهم والملهم، فمؤلفه أكاديمي لامع وحقوقي مفوّه، ويعدُ واحدًا من أبرز المفكرين العراقيين الحداثيين، والذي له باعٌ طويل وفارق في مجالات المعرفة والثقافة والأدب والسياسة، كما أن له نتاجًا ضخمًا ورصيدًا حافلًا من المؤلفات عبر أكثر من ثمانين كتابًا في تلك المجالات، وقد حصل شعبان على وسام "أبرز مناضل لحقوق الإنسان بالعالم العربي" لعام 2003، الأمر الذي يشي بأننا حال قراءة الكتاب سنخوض عالمًا يستند إلى العمق والأصالة وتأصيل المنجز العراقي عبر شخصيات ورموز مثلوا إضافات نوعية بإسهاماتهم الثقافية. فمن بدر شاكر السياب، الشاعر العراقي الرائد، الذي يقدم كممثل للوجدان العراقي الحداثي، المعبر عن التناقضات والاغتراب في الواقع العراقي، إلى أحمد الحبوبي الوزير والسياسي والمثقف، الذي جعل من الخدمة الوطنية والتزامه الفكري مزيجاً لا يتجزّأ، وعالم الاجتماع علي الوردي، مرورًا بشيركو بيكسيه الشاعر الكردي، الممثل للثقافة متعددة اللغات، وحميد سعيد وسعدي يوسف وشاكر السماوي وغيرهم، تنتقل مشاعل الضوء التي استدعاها المفكر الكبير، انطلاقًا من قناعة ترى هذه النماذج أسهمت بقدر كبير في تشكيل الوجدان الثقافي العراقي، ومعنى الوجدان هنا، أي الغوص في أعماق التجربة والإمساك بجذوة النور فيها، التي كان من شأنها نشر كل هذا الضوء الناتج عن علاقة الإنسان بذاكرة الوطن، والمبدع بماضيه ونشأته وبيئته، وعلاقة الحلم الفردي والجماعي للوطن الجامع لكل مصادر الضوء، عبر لغة ذات خصوصية وذكاء جمعت بين الأكاديمي والبلاغي، فلم تكن ثقيلة جامدة ولا متهاونة، بل كانت لغة الأناة الراصدة بهدوء وتأمل لمسيرات ورؤى، ولغة جامعة بين بهاء السرد وعمق الفكر، استطاع المؤلف من خلالها أن يشير إلى قدر المثقف كشاهد حي على العصر وكضمير للإنسانية، إذ رأى في كل شخصية من الأربعين زاوية من زوايا العراق الذي نعرفه، والعراق الذي نظن أننا نسيناه.
لم يكن الهدف إذن توثيق حياة أو سيرة هذه الشخصيات، بل أن يصغي إلى الرجفة الخفية التي جعلت كل واحد منهم يقاوم صمته ويكتب، أو يفكر، أو يقف موقفاً يعرف أنه قد يكلفه الكثير.
وهكذا يصبح الكتاب سيرة للثقافة ذاتها، لا للأشخاص فحسب، سيرة وطنٍ تكسرت مرآته مراراً، لكنه ظل يحتفظ في أعماقه ببقعة لم يمسها الغبار، بقعة كان كل واحد من هؤلاء الأربعين جزءاً منها، ومن خلال هذه الشخصيات، يتكشف الهدف الأعمق للكتاب، بأن الثقافة ـ مهما بدا أنها تهمشت ـ فإنها تبقى الخيط الأخير الذي يربط الناس بإنسانيتهم، وأن العراق، رغم جراحه الممتدة، لم يكن يومًا أرضًا بلا ضوء، بل كان منبعًا ومصدرًا متوهجًا لهذا الضوء، وإن جاء الإيقاع خافتًا، لكنه إيقاع شجي رخيم صادق، يروي قصة الثقافة من داخل القلب، من حيث يبدأ الوهج الحقيقي، أن يبيّن كيف استطاع المثقف العراقي، رغم خيبات الحروب وجراح السياسة، أن يحرس ما تبقى من المعنى.
فهؤلاء الأربعون، مهما اختلفت مشاربهم ومللهم وطباعهم، يشكّلون خريطة واحدة للوطن، خريطة لا حدود لها، ولكن من المؤكد أن لها أثرًا كبيرًا.