صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الجمعة 2026/1/16 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
اقتصاد خط الأساس: لماذا يحتاج العراق عقدًا اقتصاديًا ذكيًا لا أيديولوجيا مستوردة ؟


المشاهدات 1130
تاريخ الإضافة 2026/01/08 - 10:18 AM
آخر تحديث 2026/01/16 - 3:52 AM

اقتصاد خط الأساس: لماذا يحتاج العراق عقدًا اقتصاديًا ذكيًا لا أيديولوجيا مستوردة ؟

 

د. منتظر ناهي الزيدي

باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد

في خضم الجدل الدائم حول شكل النظام الاقتصادي الأنسب للعراق، يخطئ كثيرون حين يعتقدون أن الحل يكمن في استنساخ نموذج عالمي جاهز؛ رأسماليًا كان أم اشتراكيًا. فالتجربة الدولية أثبتت أن الاقتصادات الناجحة لم تنتصر بالأيديولوجيا، بل بالبراغماتية الذكية التي تفهم أولويات الإنسان قبل أرقام الموازنات.

العراق اليوم لا يحتاج نظامًا اقتصاديًا جديدًا بقدر ما يحتاج عقدًا اقتصاديًا واضح المعالم بين الدولة والمواطن، يقوم على التمييز الدقيق بين ما يمسّ حياة الإنسان مباشرة، وما يندرج ضمن الرفاه والكماليات.

خط الأساس الذي لا يجوز المساس به

هناك مجموعة من السلع والخدمات يجب أن تُخرج من منطق الصدمة الاقتصادية والجباية العشوائية، لأنها تمثل الحد الأدنى للأمن المعيشي، وهي: الغذاء الأساسي، الدواء، السكن اللائق، والكهرباء ضمن حدّ معيشي معقول.

هذه القطاعات ليست بنودًا مالية فقط، بل ركائز للاستقرار الاجتماعي والسياسي. وأي دولة تعبث بها تحت ضغط العجز المالي أو شعارات “إصلاح السوق”، ستدفع لاحقًا ثمنًا مضاعفًا على شكل اضطراب اجتماعي وتآكل ثقة المواطن بالدولة.

دور الدولة هنا يجب أن يكون منظِّمًا وضامنًا وداعمًا، لا تاجرًا يسعى للربح ولا جابيًا يسد عجزه على حساب الطبقات الهشة.

ما فوق خط الأساس… حيث يبدأ منطق السوق

في المقابل، كل ما يتجاوز حدّ الحياة الكريمة يدخل ضمن منطق اقتصادي مختلف، مثل السكن الفاخر، السيارات الفارهة، الاستهلاك العالي للطاقة، السفر الترفي، والخدمات الكمالية ذات الرفاه المرتفع.

في هذا المستوى، لا عدالة في الدعم، بل العدالة الحقيقية تكمن في الضريبة التصاعدية الذكية التي تُفرض وفق درجة الكمالية، وقد تصل في بعض القطاعات إلى أضعاف السعر الأساسي، دون أن تمسّ احتياجات المواطن الضرورية.

هذه السياسة لا تُعد عقوبة على النجاح أو الثراء، بل مقابلًا عادلًا لاستخدام موارد الدولة والبنية التحتية التي ساهم المجتمع كله في بنائها.

تدوير المال لا مصادرته

الفارق بين الدولة الفاشلة والدولة الذكية يكمن في طريقة التعامل مع المال.

الدولة الفاشلة تُصادر أو تُهدر، بينما الدولة الذكية تُدوّر المال داخل الاقتصاد.

فالضرائب التي تُحصّل من فائض الرفاه يجب أن تُعاد توظيفها بوضوح في دعم محدودي الدخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل منتجة، وتقليص الفجوة الطبقية دون قتل روح المبادرة والاستثمار.

بهذا الأسلوب يتحول المال من عنصر توتر اجتماعي إلى أداة استقرار وتوازن.

النموذج الواقعي للعراق

العراق لا يصلح له اقتصاد السوق المنفلت، ولا دولة الرعاية العمياء، ولا الاشتراكية الشعبوية، ولا النيوليبرالية القاسية.

النموذج الأنسب هو اقتصاد خط أساس مضمون، وسوق حر منضبط فوقه، ونظام ضريبي تصاعدي عادل.

اقتصاد:

يحمي الفقير دون تدمير الحافز،

يسمح بالثراء دون تقديسه،

يفرض الضريبة دون ابتزاز،

ويحوّل الريع من لعنة مزمنة إلى أداة توازن وتنمية.

الخلاصة

مشكلة العراق ليست في قلة الموارد، بل في غياب فلسفة اقتصادية تميّز بين حق الحياة وترف الاستهلاك.

وحين تنجح الدولة في رسم هذا الخط الفاصل بوضوح، تكون قد وضعت أول حجر حقيقي في بناء اقتصاد وطني قوي، عادل، ومستقر.


تابعنا على
تصميم وتطوير