صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/2/4 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
نظام القسائم وإعادة تعريف دور الدولة


المشاهدات 1043
تاريخ الإضافة 2026/02/01 - 8:52 AM
آخر تحديث 2026/02/04 - 3:06 AM

نظام القسائم وإعادة تعريف دور الدولة

د. منتظر الزيدي

يعاني الاقتصاد العراقي من اختلال بنيوي مزمن لا يمكن تفسيره فقط بتقلبات أسعار النفط أو ضعف التنويع الاقتصادي، بل يرتبط على نحو أعمق بطبيعة الدور الذي اضطلعت به الدولة منذ عقود. فقد انتقلت الدولة تدريجياً من موقع المنظِّم والموجِّه للنشاط الاقتصادي إلى موقع المشغِّل المباشر لمعظم مفاصل الاقتصاد والخدمات، وهو انتقال أضعف الكفاءة، ورفع مستويات الهدر، وخلق علاقة غير صحية بين المواطن والدولة تقوم على الاعتماد لا الشراكة.

في هذا السياق، يبرز نظام القسائم بوصفه أداة إصلاح اقتصادي مؤسسي، لا كسياسة جزئية أو إجراء مالي مؤقت. جوهر هذا النظام يقوم على الفصل بين التمويل والتشغيل، بحيث تحتفظ الدولة بدورها التمويلي والتنظيمي والرقابي، بينما تُنقل عملية تقديم الخدمة إلى جهات متعددة تتنافس على الجودة والكفاءة. هذا التحول لا يقلص دور الدولة، بل يعيد تعريفه على أسس اقتصادية أكثر كفاءة واستدامة.

تُظهر التجارب الدولية أن المشكلة الأساسية في الاقتصادات الريعية لا تكمن في حجم الإنفاق العام، بل في طريقة توجيهه. ففي العراق، سادت عقلية تشغيلية قامت على توسيع التوظيف العام، وتمويل المؤسسات بغض النظر عن أدائها، وربط الإنفاق بالمدخلات لا بالمخرجات. هذه العقلية أدت إلى تضخم جهاز الدولة، وتآكل الإنتاجية، وتحويل الموازنة العامة إلى أداة إنفاق استهلاكي أكثر منها أداة تنموية.

نظام القسائم، في المقابل، يعيد بناء العلاقة المالية بين الدولة والمواطن على أساس اقتصادي واضح، حيث يصبح التمويل مشروطاً بالأداء، وتتحول الخدمة العامة من عبء مالي دائم إلى استثمار قابل للتقييم والمحاسبة.

في نموذج القسائم، لا يُنظر إلى المواطن بوصفه متلقياً سلبياً للدعم، بل باعتباره فاعلاً اقتصادياً يمتلك حق الاختيار والمساءلة. فالدعم لا يُمنح للمؤسسة لمجرد وجودها، بل يُمنح للفرد الذي يختار الجهة المقدِّمة للخدمة، ما يخلق حافزاً مباشراً لتحسين الجودة ويحدّ من الهدر والاحتكار. وبهذا المعنى، يتحول المال العام من أداة حماية للضعف المؤسسي إلى أداة لتحفيز الكفاءة داخل السوق المنظم.

إن تحليل تجارب دول مثل السويد وهولندا وتشيلي يبيّن بوضوح أن نجاح نظام القسائم لم يكن ناتجاً عن الأداة نفسها، بل عن البيئة المؤسسية التي طُبّق ضمنها.

فحيثما وُجدت دولة تنظيمية قوية، ورقابة فعالة، وبيانات شفافة، صارت القسائم أداة لتحسين الأداء وتعزيز العدالة. وحيثما غابت هذه الشروط، تحولت القسائم إلى مصدر تشوه جديد.

وعليه، فإن تبنّي هذا النظام في العراق لا يمكن أن يكون استنساخاً شكلياً، بل يتطلب تكييفاً دقيقاً مع الواقع الإداري والاجتماعي والمالي للدولة.

إن التحول من دولة مُشغِّلة إلى دولة منظِّمة لا يعني انسحاب الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية، بل على العكس، يعني ممارستها لهذه المسؤوليات بكفاءة أعلى وكلفة أقل وأثر أوسع. فالدولة القوية اقتصادياً ليست تلك التي تدير كل مدرسة ومستشفى ومرفق خدمي، بل تلك التي تضع القواعد، وتضمن العدالة، وتراقب الأداء، وتحاسب على المال العام. ومن دون هذا التحول في طريقة التفكير، ستبقى أي إصلاحات مالية أو تشريعية محدودة الأثر.

خلاصة القول إن إصلاح الاقتصاد العراقي لا يبدأ من تعديل أرقام الموازنة ولا من إعادة توزيع بنود الإنفاق، بل من إعادة تعريف فلسفة الدولة الاقتصادية.

فحين تنتقل الدولة من منطق التشغيل إلى منطق التنظيم، ومن تمويل المؤسسات إلى تمكين المواطن، يصبح الإصلاح مساراً قابلاً للاستدامة لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات. العراق لا يحتاج مزيداً من المشغّلين، بل يحتاج دولة منظِّمة بعقل اقتصادي سيادي قادر على تحويل الموارد إلى نتائج حقيقية.


تابعنا على
تصميم وتطوير