صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
عندما يغترب الملح..مظهر محمد صالح


المشاهدات 1023
تاريخ الإضافة 2026/02/16 - 8:46 AM
آخر تحديث 2026/02/16 - 10:44 PM

عندما يغترب الملح

د.مظهر محمد صالح

 مضت سبعون عامًا ونيف، وما زال في الذاكرة ذلك النداء الخافت الذي كان يتسلل بين أزقة المدن:

ملح… ملح…”

كان البدوي يجيء من تخوم الصحراء، تتهادى خلفه الجمال، وعلى ظهورها عدولٌ من وبرٍ محاك، تحمل بلورات الملح المتلألئة كأنها قطع من شمسٍ متحجرة. لم يكن صوته عاليًا، بل يشبه صدى الصحراء نفسها، واثقًا، متباطئ في سيره، يعرف أن البيوت بانتظاره.

كانت العائلات تشتري الملح جملةً ، وتودعه في أوعيةٍ طينية صنعتها يد الرافدين، تُسمّى البساتيك. هناك، في قلب البيت، تبدأ دورة اقتصادٍ منزليٍّ مكتفٍ بذاته.

تجلس النسوة، يطحنّ البلورات في الجون الخشبي، أو في الهاون البرونزي اللامع، فتتحول الكتل الصلبة إلى ذراتٍ ناعمة، بقدر ما تحتاجه الموائد من رخاء.

كان الملح جزءًا من سلسلة اقتصادية محلية مغلقة،

الصحراء تمنح، والبيت يُصنّع، والسوق يتداول، والأرض تحتفظ بتوازنها.

 

ثم كبرنا

ودخلنا قاعات الجامعة، حيث لم يعد الملح حكايةً شعبية، بل مسألةً في علم الاقتصاد. كان أستاذنا يذكّرنا بأن السهل الرسوبي، بسبب وفرة الريّ وقت ذاك وتراكم الأملاح، يستقبل سنويًا ما يقارب اثنين وثلاثين مليون طن من الملح.

صار الملح رقمًا، ومعضلةً، وكلفةً مالية.

عمليات غسل التربة، إنشاء المبازل، قشط الطبقات المتملحة، واستبدالها بغرين دجلة والفرات… كلها صراعٌ طويل مع نمطٍ آخر من الملح ،ملحٍ يتسلل إلى الجذور ويهدد الزراعة.

كنا نتساءل:

أيمكن أن يتحول هذا العبء إلى مورد؟

أيمكن تنقيته وتسويقه؟

وكانت الإجابات تتفاوت بين أبناء الريف وأبناء المدن، بين من يعرف طعم الأرض ومن يعرف طعم الكتب.

ومضت السنوات.

أصيب جيلنا بارتفاع ضغط الدم، وصار الامتناع عن الملح نصيحةً طبية.

لكن المفارقة لم تكن صحية فقط… بل اقتصادية.

اختفى البدوي من الأزقة.

وغاب الجمل عن المدينة.

وسكت صوت الهاون.

أما الملح الذي نتناوله اليوم، فيأتينا في علبٍ أنيقة، مختومة بشعاراتٍ أجنبية، تتدفق عبر فواتير الاستيراد من بلدان قريبة وبعيدة.

يقال إننا نستورد منه بما يقارب نصف مليار دولار سنويًا من بلدٍ واحد، تُدفع من حساب ميزان مدفوعات ، وطنٍ تتملّح أرضه عامًا بعد عام.

الأراضي هجرتها المياه، فازدادت ملوحةً من نوع اخر شديد العطش .

والبدو دخلوا عوالم السياسة والمدنية، وتركوا قوافلهم لزمنٍ آخر.

أما الملح البلوري… فقد اغترب.

يا للمفارقة.. بلادٌ تضيف إلى تربتها ملايين الأطنان من الملح كل عام، وتدفع الملايين لتستورد ملح موائدها.

لم يبقَ من الحكاية سوى فاتورةٍ عالية الكلفة،

وصمتٍ يخيّم على صباحاتٍ لم تعد تسمع دقّات الهاون البرونزي،

ولا احتكاك الجون الخشبي ببلورات الصحراء.

أيُّ أرضٍ هذه تفيضُ بالملح في كهوف صحرائها،

ثم تستورده على موائدها ؟ انها بلورات الملح التي غربناها فاغتربت .


تابعنا على
تصميم وتطوير