صحيفة
الإخبارية المستقلة
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام


المشاهدات 1012
تاريخ الإضافة 2026/03/04 - 10:20 AM
آخر تحديث 2026/03/05 - 1:54 AM

لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام

د. مظهر محمد صالح

 

استيقظتُ هذا الصباح على رسائل مبكرة ملئت سحابات الفضاء الرقمي، تُدشّن فصلًا جديدًا من مسلسلٍ لا ينتهي من حروب شرق المتوسط. في زمنٍ يفترض أن يكون زمن تواصلٍ وتقارب، تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ناقوس إنذارٍ دائم، يُذيع أخبار الدمار قبل أن يجفّ غبار الانفجارات.

نحن في شهرٍ مقدّس، شهرٍ يُفترض أن يسمو فيه الإنسان على نزعاته، غير أنّ العناوين تصرخ بحربٍ تتشابه في أدواتها وتتناقض في شعاراتها. دفاعاتها وهجماتها وقواعد اشتباكها تكشف عن قوى تدميرية في عصرٍ رقمي بارد، تُدار فيه الحروب عن بُعد، ويُختزل فيه الألم إلى أرقامٍ عابرة على الشاشات.

لا أدري لماذا استحضرتُ مشاهد الحرب الأهلية الإسبانية، رغم اختلاف الزمان والمكان. لعلّ التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطقه: منطق الاستقطاب الحادّ، ومنطق تحويل الاختلاف الفكري إلى اقتتالٍ وجودي. هناك التحمت الفاشية باليسار في صراعٍ دمويٍّ صريح، وكانت إسبانيا ساحةً لتجربة أيديولوجياتٍ متصارعة على جسد شعبٍ واحد. واليوم، وإن تبدّلت العناوين، يبقى المشهد ذاته: سباقٌ محموم نحو انتصارٍ رمزيّ أو جيوسياسي، ولو كان الثمن أرواح الأبرياء وحلم الحرية.

في حرب اليوم يبدو المشهد أكثر تعقيدًا ،إذ لم تعد الاصطفافات نقية كما في كتب التاريخ، بل تشابكت المصالح بالعقائد، وتداخلت القوميات بالأديان، حتى صار التحالف مع الضدّ أمرًا مألوفًا. الأيديولوجيات التي كانت ترفع شعارات التحرّر أو النظام، باتت تتقاطع في مساحاتٍ رمادية، بينما يظل الإنسان — الفرد العادي — الحلقة الأضعف في معادلة القوة.

هنا يعود إلى الذاكرة صوت إرنست همنغواي في روايته لمن تقرع الأجراس (1940). لم يكن همنغواي مؤرّخًا للحرب بقدر ما كان شاهدًا على هشاشة الإنسان فيها. الأجراس في روايته لم تكن إعلانًا لموت فردٍ بعينه، بل إعلانًا عن تصدّع المعنى نفسه. كانت تدقّ لأن إنسانًا سقط، ولأن سقوطه لا يخصّه وحده، بل يخصّ الجماعة البشرية كلّها.

في تلك الرواية تتكامل ثلاثية عميقة:

الحرب بوصفها عبثًا منظمًا،

الحب بوصفه مقاومة صامتة للفناء،

والإنسانية بوصفها سؤالًا دائمًا عن المعنى في عالمٍ يتفكك.

قصة روبرت جوردن وماريا لم تكن مجرّد حكاية عشقٍ عابر، بل كانت إعلانًا بأن الحب يمكن أن يولد حتى في أحلك اللحظات، وأن الأمل ليس نقيض الواقع بل احتجاجًا عليه.

كان همنغواي منحازًا للجمهوريين، لكنه في جوهره كان منحازًا للإنسان. ذكّرنا بما كتبه الشاعر جون دون: لا أحد جزيرةٌ قائمة بذاتها؛ كل إنسان جزءٌ من قارة الإنسانية. ومن هنا يصبح السؤال: لمن تُقرَع الأجراس؟ سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز السياسة.

اليوم، ونحن نشهد أطفالًا يُنتشلون من تحت الركام، ومدارس تتحوّل إلى شواهد قبور، وأمهاتٍ يحملن صور أبنائهن بدل أحلامهم، يعود السؤال بإلحاحٍ أكثر قسوة:

هل تدقّ الأجراس للمنتصر أم للمهزوم؟

للجندي أم للطفل؟

لمن يطلق النار أم لمن يتلقّاها؟

الجواب الذي يفرض نفسه أن الأجراس لا تُميّز بين الهويات. إنها تدقّ كلما انكسرت حياة، وكلما خسر العالم جزءًا من روحه. فالحرب، مهما تذرّعت بالعقيدة أو الأمن أو التاريخ، تبقى فعلًا ضد الإنسان.

في عالمٍ تتسارع فيه الأخبار وتتباطأ فيه الرحمة، يصبح صوت الأجراس نداءً أخلاقيًا قبل أن يكون رمزًا أدبيًا. إنه تذكيرٌ بأن مصائرنا متشابكة، وأن الدم حين يُراق في أي بقعةٍ من الأرض، يترك أثره في ضمير العالم بأسره.

إذن… لمن تُقرَع الأجراس؟

إنها تُقرَع للإنسانية، كلّما فقدت جزءًا من ذاتها.


تابعنا على
تصميم وتطوير