
الحرب في الخليج .. من النفط الخام إلى الوقود المكرر
عاصم جهاد
كاتب عراقي
مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج والتحذيرات المتزايدة من استهداف منشآت الطاقة، عاد ملف أمن إمدادات الطاقة العالمية إلى الواجهة بقوة. فهذه المنطقة لا تمثل فقط أحد أكبر مصادر النفط الخام في العالم، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى مركز رئيسي لتكرير النفط وإنتاج الوقود الذي تعتمد عليه الأسواق الدولية.
تنتج مصافي دول الخليج مجتمعة نحو (5.7) مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود. وتتوزع هذه الكميات تقريباً بين السعودية التي تنتج نحو (2.5 ) مليون برميل يومياً، والكويت (1.24 )مليون برميل، والإمارات (1.06) مليون برميل، إضافة إلى قطر والبحرين وعُمان التي تنتج مجتمعة مئات الآلاف من البراميل يومياً. ويمثل هذا الإنتاج نحو (7% )من إجمالي التكرير العالمي.
لكن أهمية الخليج لا تكمن في الإنتاج وحده، بل في موقعه الجغرافي أيضاً. فمضيق هرمز الذي تمر عبره صادرات المنطقة يشهد مرور نحو (20 )مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. وهذا ما يجعل أي اضطراب في المنطقة ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة الدولية.
التطورات الأخيرة تشير إلى ضغوط متزايدة على البنية التحتية للطاقة في الخليج. فقد تعرضت بعض المنشآت النفطية لهجمات أدت إلى تعطّل جزئي في عمليات التكرير والتصدير، بينما بدأت بعض الدول المنتجة اتخاذ إجراءات احترازية لتقليل المخاطر التشغيلية. وتشير تقارير إلى أن بعض الحقول النفطية خفّضت إنتاجها نتيجة محدودية السعات التخزينية بعد تعطل جزء من الصادرات.
وإذا ما تعطلت المصافي أو انخفض تشغيلها بشكل كبير، فإن المشكلة لن تقتصر على نقص النفط الخام، بل ستتحول إلى نقص في الوقود النهائي الذي يستهلكه العالم يومياً. ففي هذه الحالة قد تظهر آثار سريعة في الأسواق مثل ارتفاع أسعار البنزين والديزل، واضطراب النقل الجوي والبحري، وارتفاع تكاليف الطاقة في الصناعة والكهرباء.
كما أن الأزمة لا تضرب الدول المستهلكة فقط، بل الدول المنتجة أيضاً. فتعطل تصدير نحو 4) - 5 ) ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية قد يعني إيرادات غير متحققة تتراوح بين 400) و750) مليون دولار يومياً بحسب مستويات الأسعار. إضافة إلى ذلك، فإن امتلاء الخزانات قد يدفع المنتجين إلى خفض إنتاج النفط الخام نفسه إذا استمر تعطل التصدير.
وفي حال طال أمد الأزمة، قد تضطر الدول المنتجة إلى الاعتماد على احتياطياتها المالية وصناديقها السيادية لتعويض تراجع الإيرادات النفطية وتمويل النفقات العامة ورواتب القطاع الحكومي ومشاريع البنية التحتية. ورغم أن دول الخليج تمتلك احتياطيات مالية ضخمة تُقدّر بتريليونات الدولارات، فإن استمرار تعطل الصادرات لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي لهذه الاحتياطيات، خاصة إذا تزامن مع ارتفاع الإنفاق الأمني وتباطؤ الأنشطة الاقتصادية غير النفطية.
وفي هذا السياق حذر وزير الطاقة القطري مؤخراً من أن استمرار التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تعطل صادرات الطاقة الخليجية خلال أسابيع، وهو سيناريو يثير قلق الأسواق العالمية. فالعالم يستطيع تعويض نقص محدود في النفط الخام من المخزونات الاستراتيجية لبعض الوقت، لكنه يواجه صعوبة أكبر في تعويض نقص المنتجات النفطية المكررة التي تعتمد على طاقات التكرير والبنية التحتية المعقدة.
الخلاصة أن الخليج لم يعد مجرد منطقة إنتاج نفطي، بل أصبح مركزاً أساسياً لتكرير النفط وتزويد العالم بالوقود. ولذلك فإن أي اضطراب طويل في مصافيه أو موانئه قد لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل قد يفتح الباب أمام أزمة وقود عالمية، وقد يفرض في الوقت نفسه ضغوطاً مالية واقتصادية متزايدة على الدول المنتجة نفسها .