صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/4/15 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
هدنة هشة ومجازر في لبنان


المشاهدات 1020
تاريخ الإضافة 2026/04/15 - 8:37 AM
آخر تحديث 2026/04/15 - 8:14 PM

هدنة هشة ومجازر في لبنان

د. خالد قنديل

عضو مجلس الشيوخ المصري

تباعًا تتساقط الأقنعة السياسية، وتبدو المفارقات واضحة قبالة مرايا الحرب التي تشققت عن وجوه دميمة، غير أن المفارقة الأكثر فجاجة من أن تُخفي خلف عناوين الدبلوماسية أو بيانات التهدئة، أن أمريكا "الترامبية" التي سمحت لترامب أن يعتلي السلطة ويلوح بالحرب، وأعلنت حربها على إيران تحت ذريعة "تحجيم وتحطيم القدرات النووية"، وهذا بالتأكيد نظرًا لأن امتلاك هذا السلاح يشكل خطرًا وجوديًا على الشعوب، لكننا في الوقت نفسه نجد الولايات المتحدة الأمريكية في ظل حكم من لا يملك قراره، تبدو عاجزة، أو بالأحرى غير راغبة في كبح جماح المجازر التي يرتكبها الكيان المحتل في الأراضي اللبنانية.

هكذا يتجلى التناقض الصارخ بين خطاب حماية البشرية من أسلحة الإبادة، وبين الصمت المريب تجاه مجازر تُرتكب يوميًا، وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن أمن العالم وضرورة منع انتشار السلاح النووي، تتواصل غارات الكيان المحتل على البلدات والقرى اللبنانية، مخلفة أعدادًا متزايدة من الضحايا المدنيين، وتشير التقارير الميدانية إلى أن حصيلة عدوان الكيان المحتل على لبنان منذ اندلاع الحرب الأخيرة بلغت نحو ألفين وعشرين شهيدًا قابلين للزيادة؛ نظرًا لأن الجرحى، وفيهم إصابات شديدة الخطورة، بلغوا نحو ستة آلاف وخمسمِئة جريح، أغلبهم من المدنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات هامشية، لكنها في قلب المشهد كشواهد دامغة على واقع دموي يزداد قتامة يومًا بعد آخر، فالقرى التي أُفرغت من أهلها، والبيوت التي تهدمت فوق ساكنيها، والمدارس التي تحولت إلى أنقاض، والمستشفيات والمؤسسات والبنى التحتية جميعها تشكل فصولًا جديدة في سجل الانتهاكات التي تتراكم في المنطقة منذ سنوات، وتمثل استمرارًا لمسلسل الإجرام والتجاوز والانتهاك بحق شعوب المنطقة منذ أن وطأ المحتلون الصهاينة أرض العرب، وليست غزة والضفة الغربية وجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما حدث ولا يزال يحدث فيها من مجازر للكيان المحتل بدعم أمريكي متصل ببعيدة عنا، ورغم كل ذلك، لا يبدو أن هذه المآسي تحظى بذات الحساسية الأخلاقية التي تُستدعي حين يتعلق الأمر ببرنامج نووي هنا أو تجربة صاروخية هناك.

وسط هذا المشهد المضطرب، تأتي أحاديث الهدنة التي جرى التوصل إليها في العاصمة الباكستانية إسلام آباد محاولةً بائسة لالتقاط الأنفاس في منطقة يتمدد إليها الشلل الاقتصادي، وتختنق من كثافة النيران، ليتضح أن هذه المفاوضات التي باءت بالفشل في أول جولاتها، لم تكن سوى استراحة تكتيكية منها إلى السعي نحو تسوية حقيقية، خصوصًا في ظل الاشتباكات والغارات المتفرقة التي تهدد بانهيارها في أي لحظة، ذلك أن التوازنات التي فرضت وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، تعتمد بدرجة كبيرة على حسابات القوة في الميدان أكثر مما تعتمد على الإرادة السياسية الراسخة لإنهاء الحروب، رأينا كيف أنه مع بوادر التهدئة الجزئية، ظهرت مؤشرات محدودة على عودة الحياة إلى بعض شرايين التجارة الدولية، فقد بدأت بعض السفن التجارية تعاود العبور عبر مضيق هرمز بعد فترة من التوتر الشديد الذي كاد أن يشل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو تطور، رغم محدوديته، كان يعكس إدراك القوى الدولية لخطورة استمرار إغلاق المضيق، لما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على سوق الطاقة العالمية، غير أن هذه الانفراجة الجزئية لا تخفي حقيقة أن المنطقة لا تزال تقف على حافة انفجار أوسع، فالحرب التي بدأت بذريعة كبح البرنامج النووي الإيراني تحولت سريعًا إلى صراع متعدد الجبهات، يمتد من الخليج إلى بلاد الشام، وتتشابك فيه حسابات القوى الكبرى مع صراعات النفوذ الإقليمية، ليظهر لبنان الجريح مثخنًا بجراحٍ أكبر كحلقة تبدو الأضعف في معادلة الشرق الأوسط، وهو البلد المثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية، الذي يجد نفسه مجددًا ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية، ومع كل غارة جديدة، يتعمق الجرح اللبناني أكثر، وتتسع دائرة النزوح والدمار، فيما يظل المجتمع الدولي يتعامل مع المأساة بمنطق البيانات القلقة لا بمنطق الفعل الحاسم.

إن قراءة المشهد في ضوء التطورات الأخيرة تشير إلى أن الهدنة الحالية ليست سوى هدنة هشة فوق أرض ملتهبة، فالعوامل التي فجرت الصراع لا تزال قائمة، وتتضمن توترًا إقليميًا متصاعدًا، سباقَ نفوذٍ بين القوى الكبرى، واستمرارًا لنهج الاحتلال في استلابِ مزيدٍ من دعم واشنطن ترامب نحو سياسات القوة والبلطجة التي تغذي دوامات العنف، وإلا اتجهت الأطراف المعنية والمباشرة إلى إيجاد نقاط تلاقٍ في تلك المفاوضات التي انتهت في وقت مبكر من صباح أمس، من دون التوصل إلى اتفاق، كما ذكر جي دي فانس نائب ترامب، والذي تواترت الأنباء عن أنه وفريقه المفاوض كانوا يبحثون عن ذريعة للانسحاب من طاولة المفاوضات.

جدير بالإشارة إليه أن تلك المفاوضات قبل بدايتها تدخل في مجرياتها بوضوح بنيامين نتنياهو، وهذا ليس جديدًا على الشخص الذي وصفه الأمريكان بأنه يضع حبلًا حول عنق ترامب، إذ قال رئيس وزراء الاحتلال بوضوح أكبر إن لبنان ليس مشمولًا بالاتفاق، وهو ما رددته كارولين ليفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، بأن لبنان ليس جزءًا من اتفاق وقف النار مع إيران، والآن وبعد مؤشرات فشل المفاوضات وعودة مفاوضي واشنطن أدراجهم، ربما يشهد هذا الأسبوع أو الأيام المقبلة جولةً أخرى من الحرب قد تكون أكثر شراسة، واضطرابًا بعد انفراجة مؤقتة بمضيق هرمز، كما قد تنفتح جراحٌ جديدة في الجسد اللبناني المنهك.

لعل أخطر ما في هذه المرحلة هو تآكل المعايير الأخلاقية في الخطاب الدولي، فحين تُرفع شعارات حماية البشرية من أسلحة الدمار الشامل، بينما يُغض الطرف عن دمارٍ فعلي يطال البشر والحجر في جنوب لبنان، فإن الرسالة التي تصل إلى شعوب المنطقة هي أن العدالة الدولية أصبحت انتقائية، وأن حياة المدنيين تُقاس بميزان السياسة لا بميزان الإنسانية، وهكذا تبقى الهدنة الحالية أشبه بخيط رفيع يربط بين حربين: حرب معلنة تحت شعار منع السلاح النووي، وحرب غير معلنة تُخاض فوق أجساد المدنيين في القرى اللبنانية. وبين الحربين يقف الشرق الأوسط كله في منطقة رمادية، ينتظر ما إذا كانت الأيام المقبلة ستقود إلى انفراج حقيقي أم إلى جولة جديدة من النار.

نقلا عن " الاهرام "


تابعنا على
تصميم وتطوير