صحيفة
الإخبارية المستقلة
الإثنين 2026/4/27 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
هل نحن أمام إدارة دولة أم إدارة أزمات؟


المشاهدات 1004
تاريخ الإضافة 2026/04/27 - 8:49 AM
آخر تحديث 2026/04/27 - 3:55 PM

هل نحن أمام إدارة دولة أم إدارة أزمات؟

د.منتظر ناهي الزيدي

في الدول التي تُدار بعقل الدولة لا بعقل المرحلة، لا تُقاس الحكومات بما تعلنه من وعود بعد تشكيلها، بل بالمنهج الذي وُلدت منه. فالتخطيط الاستراتيجي يُقرّ بحقيقة هي إن المدخل الخاطئ لا يمكن أن يقود إلى نتائج صحيحة. ومن هذا المفهوم، فإن قراءة كواليس تشكيل الحكومة العراقية المقبلة تضعنا أمام سؤال جوهري: هل نحن بصدد تأسيس نموذج حكم مختلف، أم إعادة تدوير منهج أثبت عجزه عن إنتاج نتائج حقيقية؟

إن لحظة اختيار رئيس مجلس الوزراء ليست إجراءً شكليًا، بل هي نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها كامل المنظومة التنفيذية. فالطريقة التي يُختار بها رئيس الحكومة ستنعكس، على طبيعة اختيار الوزراء، وعلى شكل الأداء العام للدولة. وإذا كان هذا الاختيار محكومًا بمعادلات “المقبولية السياسية” بدلًا من معايير الكفاءة والقدرة التنفيذية، فإن النتيجة لن تتجاوز إطار حكومة تُدير الأزمات بدل أن تحلّها. المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن أبسط المواقع الإدارية في الدولة غالبا ما تخضع لمعايير دقيقة، وتُربط بمؤشرات أداء واضحة، بينما يُترك أعلى منصب تنفيذي دون توصيف وظيفي حقيقي أو عقد أداء قابل للقياس والمساءلة.

وهذه ليست مجرد ثغرة إجرائية، بل خلل بنيوي ينعكس مباشرة على كفاءة الدولة وقدرتها على الإنجاز. إن أي حكومة لا تُبنى على برنامج محدد بزمن، ومسنود بمؤشرات أداء قابلة للقياس هي  حكومة “تصريف أعمال” منذ يومها الأول، حتى وإن حملت عناوين إصلاحية.

فالإدارة  لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج، ولا تُقاس بالخطاب، بل بالأثر الذي ينعكس على حياة المواطن. ومن وجهة نظر اقتصادية وسياساتية، فإن الاستمرار في تدوير شخصيات لم تُحقق أثرًا ملموسًا في مواقعها السابقة والتي وصلت في كثير من الأحيان عبر آليات المحاصصة لا يمثل فقط إشكالًا إداريًا، بل يُعد استنزافًا مباشرًا للموارد، وتعميقًا لفجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.

فلا يمكن بناء رؤية اقتصادية وطنية طموحة بعقلية إدارة التوازنات، بل يتطلب ذلك قيادة تنفيذية تُقاس بقدرتها على الإنجاز، وتُحاسب على نتائجها. ويمكن تلخيص الخلل القائم في ثلاث نقاط مفصلية هي : غياب توصيف دقيق لمهام رئيس الحكومة والوزراء، وغياب منظومة قياس أداء حقيقية، وضعف القدرة التنفيذية التي تُبقي الخطط حبيسة الأدراج. غير إن الإشكال لا يقف عند حدود التشخيص، بل يتطلب إعادة تعريف شاملة لمنهج تشكيل الحكومات العراقية. فالمرحلة المقبلة تستدعي الانتقال إلى نموذج “حكومة المهمة”، حيث تُحدد الأولويات الاستراتيجية أولًا، ثم تُختار القيادات القادرة على تنفيذها بناءً على سجلها العملي، لا على وزنها السياسي. كما يقوم هذا النموذج على ربط كل موقع حكومي بعقد أداء واضح، يُقاس دوريًا، ويُبنى عليه الاستمرار أو الإعفاء.

إن العراق لا تنقصه الكفاءات، بل تنقصه آلية تضع الكفاءة في موقع القرار. ومن موقع الخبرة في الطاقة والاقتصاد وإدارة المشاريع، أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب إدخال معايير مختلفة في اختيار القيادات التنفيذية، مع التركيز على من يمتلك القدرة على تحويل السياسات إلى نتائج قابلة للقياس، خصوصًا في القطاعات الحيوية التي تمثل عصب الاقتصاد الوطني.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح البرامج، بل في القدرة على تنفيذها بكفاءة، وبناء منظومة عمل قائمة على الأثر، لا على التمثيل. وهذا يتطلب نمطًا جديدًا من القيادات التنفيذية، القادرة على إدارة الملفات المعقدة بعقلية هندسية واقتصادية، وبأدوات قياس ومتابعة حديثة. إن إدارة الدولة ليست توازنات، بل مسؤولية نتائج. وليست تمثيلًا، بل تكليفًا قائمًا على الكفاءة والإنجاز. فالاستمرار في اعتماد الأدوات ذاتها، مع توقع نتائج مختلفة، ليس سوى إعادة إنتاج للأزمة بصيغ جديدة.

العراق اليوم لا يحتاج إلى تغيير في الوجوه فحسب، بل إلى تغيير في قواعد الاختيار. قواعد تقوم على مبدأ واضح: لا منصب بلا معيار، ولا بقاء بلا إنجاز.

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: من سيشكل الحكومة؟ بل كيف ستُشكَّل، وعلى أي أساس ستُدار؟ فإما أن نعيد تعريف الحكم على أساس النتائج أو نستعد لإدارة أزمة جديدة بالأدوات القديمة.


تابعنا على
تصميم وتطوير