
إعادة تعريف طاقة العراق في عصر الحياد الكربوني لاقتصاد مستدام
د. منتظر ناهي الزيدي
باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، لم يعد السؤال المطروح أمام الدول النفطية: هل سينتهي عصر النفط؟، بل أصبح السؤال الأكثر واقعية وعمقًا: كيف يمكن للدول النفطية أن تعيد تموضعها داخل النظام الطاقوي العالمي الجديد؟ العراق، بوصفه أحد أكبر منتجي النفط في العالم، يقف اليوم أمام لحظة استراتيجية فارقة؛ فالعالم يتجه تدريجيًا نحو الحياد الكربوني وخفض الانبعاثات، بينما تعتمد المالية العامة العراقية بصورة شبه مطلقة على العوائد النفطية. ومن هنا، فإن أي تحول عالمي في أنماط استهلاك الطاقة سينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة العراقية ما لم يتم بناء نموذج اقتصادي طاقوي جديد يواكب المرحلة القادمة. إن أحد أهم المسارات الاستراتيجية التي يمكن للعراق أن يتحرك عبرها للحفاظ على موقعه ضمن الحلقة العالمية للطاقة يتمثل في التحول من مفهوم تصدير النفط الخام إلى مفهوم تصدير الطاقة منخفضة الكربون، عبر دمج النفط والغاز مع اقتصاد الهيدروجين وتقنيات التقاط الكربون والاستدامة الصناعية. الهيدروجين، سواء الأزرق أو الأخضر، لم يعد مجرد مشروع بيئي أو ترف تقني، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي والجيوسياسي للدول المنتجة للطاقة. فالدول الصناعية الكبرى، وخصوصًا في أوروبا وشرق آسيا، بدأت بإعادة رسم سلاسل الإمداد الطاقوية على أساس الانبعاثات الكربونية، وليس فقط على أساس وفرة الوقود أو سعره. وفي هذا السياق، يمتلك العراق فرصة تاريخية نادرة قد لا تتكرر خلال العقود القادمة، لأنه يجمع بين ثلاثة عناصر استراتيجية يصعب توفرها مجتمعة في كثير من الدول:
أ- احتياطيات نفطية ضخمة ومنخفضة الكلفة.
ب - كميات هائلة من الغاز المصاحب غير المستغل.
ج- موارد شمسية واسعة تؤهله مستقبلًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
تقنيا يمكن للعراق أن يبدأ فورًا بإنتاج الهيدروجين الأزرق عبر استغلال الغاز الطبيعي و النفثات النفطية والمشتقات الثقيلة، باستخدام تقنيات الإصلاح البخاري أو الأكسدة الجزئية، مع تطبيق منظومات التقاط وخزن الكربون (CCUS). أي أنه عمليًا أن العراق يستطيع إنتاج الهيدروجين مع تقليل الانبعاثات الكربونية، بدلًا من استمرار حرق الغاز أو تصدير النفط الخام دون قيمة مضافة عالية. الأهم من ذلك، أن النفط الثقيل والمتبقيات النفطية التي قد تتراجع قيمتها مستقبلًا بسبب القيود البيئية، يمكن تحويلها إلى مدخلات استراتيجية لإنتاج الهيدروجين والبتروكيمياويات والوقود الصناعي منخفض الانبعاثات، بدلًا من تحولها إلى عبئ اقتصادي في الأسواق العالمية. إن العالم لا يتحرك اليوم نحو إلغاء النفط كما يُشاع أحيانًا، بل نحو إزالة الكربون من النفط. وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يجب أن تدركه الدول النفطية. فالقيمة المستقبلية لن تكون فقط لمن يمتلك الاحتياطي الأكبر، بل لمن يمتلك البرميل الأقل انبعاثًا والأعلى كفاءة والأكثر تكاملًا مع تقنيات الاستدامة. إذا بقي العراق ضمن النموذج التقليدي القائم على بيع النفط الخام فقط، فإنه قد يواجه مستقبلًا تحديات كبيرة، منها:
أ- الضرائب الكربونية الأوروبية.
ب- تراجع الطلب على الوقود عالي الانبعاثات.
ج - انخفاض تنافسية الخام العراقي مقارنة بالنفط منخفضة البصمة الكربونية. رؤيتنا في حال تبنى العراق استراتيجية متقدمة تجمع بين النفط والهيدروجين والطاقة الشمسية والتقاط الكربون، فإنه لن يحافظ فقط على تدفقات الإيرادات، بل قد يتحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة والصناعات الكربونية المتقدمة. لهذا فإن أولى الخطوات الوطنية المطلوبة ليست معقدة نظريًا، لكنها تحتاج قرارًا استراتيجيًا واضحًا، وأبرزها:
أ- الإيقاف التدريجي لحرق الغاز المصاحب وتحويله إلى قاعدة لإنتاج الهيدروجين الأزرق.
ب- إنشاء مشاريع وطنية لالتقاط الكربون وربطها بالحقول النفطية.
ج- بناء مجمعات صناعية متكاملة للهيدروجين والأمونيا في جنوب العراق.
د- تطوير الصناعات البتروكيميائية بدل الاعتماد المفرط على تصدير الخام.
ه- تأسيس هيئة وطنية عليا للهيدروجين والتحول الطاقوي أو ضمن مقترحنا بتشكيل المجلس الأعلى للتنمية المستدامة .
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول النفطية في العقود المقبلة ليس انخفاض الأسعار فقط، بل فقدان موقعها داخل سلاسل الطاقة العالمية الجديدة. ولذلك، فإن الحفاظ على دور العراق الاقتصادي لا يتحقق عبر الدفاع التقليدي عن النفط، وإنما عبر إعادة تعريف وظيفة النفط داخل الاقتصاد العالمي الجديد. العراق يمتلك القدرة لأن يتحول من دولة مصدّرة للخام إلى قوة طاقوية هجينة تجمع بين النفط والغاز والهيدروجين والطاقة الشمسية والصناعات منخفضة الكربون. وهذا التحول ليس خيارًا عبثيا أو غير مدروس، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة المالية العامة، وحماية الأمن الاقتصادي، والحفاظ على المكانة الجيوسياسية للعراق في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. المستقبل لن يكون ضد النفط بقدر ما سيكون ضد الانبعاثات العالية، والدول التي ستنجح ليست تلك التي تخلت عن مواردها، بل تلك التي أعادت توظيف مواردها ضمن اقتصاد الطاقة الجديد.