
من الموازنة التشغيلية إلى الدولة الإنتاجية
د. منتظر ناهي الزيدي
في الدول التي تمر بمرحلة إعادة بناء اقتصادي وهيكلي، لا يُقاس نجاح رئيس الحكومة بعدد الملفات التي يفتحها، بل بعدد الملفات التي ينجح في إدارتها يوميًا حتى تتحول إلى نتائج ملموسة. والعراق اليوم يقف أمام لحظة تاريخية نادرة؛ فإما أن تتحول الوفرة النفطية الحالية إلى قاعدة تنمية مستدامة، أو تبقى مجرد دورة مالية مؤقتة تُستهلك في الإنفاق التشغيلي دون أن تُغيّر بنية الاقتصاد. ومن موقع الخبرة الاقتصادية والطاقة يمكننا توجيه نصيحة استراتيجية إلى دولة السيد رئيس مجلس الوزراء العراقي مفادها إن أمامكم ملفين يجب أن يصلا إلى قمة النجاح، لأن نجاحهما يعني نجاح الدولة العراقية لعقود قادمة، بينما سيؤدي تعثرهما إلى استمرار الحلقة الاقتصادية المغلقة التي عاشها العراق لسنوات طويلة.
هذان الملفان هما: الملف الاقتصادي، والملف الطاقوي. أما بقية الملفات المهمة كالمياه والتعليم والصحة والخدمات، فهي ملفات حيوية بلا شك، ويمكن إدارتها عبر المؤسسات والمتابعة الدورية. لكن السياسات الاقتصادية والطاقة يحتاجان إلى متابعة يومية مباشرة من رئيس مجلس الوزراء، لأنهما يمثلان غرفة القيادة الحقيقية للدولة العراقية ومحركها المالي والتنموي. إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم ليس نقص الأموال، بل طريقة إدارة الأموال. فالعراق ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على موازنة تشغيلية تُستهلك فيها أغلب الإيرادات في الرواتب والنفقات الجارية والدعم قصير الأمد، بينما تبقى القطاعات الإنتاجية محدودة التأثير وضعيفة المساهمة في الناتج المحلي. يُعد الاقتصاد العراقي من أكثر الاقتصادات الريعية في المنطقة، إذ يعتمد بصورة مباشرة على النفط بنسبة تقارب 90% من إيرادات الدولة وتمويل الموازنة العامة، بينما ترتبط النسبة المتبقية بصورة غير مباشرة بالنشاط النفطي من خلال الإنفاق الحكومي وحركة السوق المحلية. وهذا الواقع يجعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية.
ولهذا فإن نقطة التحول الحقيقية تبدأ من قرار استراتيجي واضح هو الانتقال التدريجي من موازنة تشغيلية إلى موازنة إنتاجية.
وهذا لا يعني تقليل الإنفاق الحكومي، بل إعادة توجيهه نحو بناء الاقتصاد الحقيقي. أي أن تتحول الموازنة إلى أداة لصناعة القيمة المضافة، لا مجرد وسيلة لتوزيع الإيرادات النفطية.
فالعراق اليوم لا يعاني من قلة الموارد، بل من "القيمة المفقودة" في الاقتصاد. فنحن نبيع النفط الخام ونستورد المشتقات النفطية، ونحرق الغاز المصاحب ثم نستورد الطاقة، كما نصدر المواد الأولية ونستورد المنتجات النهائية بأضعاف قيمتها. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الثروة الوطنية يتسرب خارج الدورة الاقتصادية العراقية بدل أن يتحول إلى مشاريع وفرص عمل وصناعة محلية. ومن هنا تأتي أهمية الربط بين الملف الاقتصادي والملف الطاقوي، لأن الطاقة ليست مجرد قطاع خدمي، بل هي المحرك الأساسي للإنتاج الصناعي والزراعي والاستثماري والنقل والخدمات اللوجستية. إن أي مشروع حكومي لا يحوّل النفط والغاز إلى قيمة صناعية مضافة سيبقى مشروعًا ناقصًا اقتصاديًا مهما بلغت أرقامه. ولذلك فإن العراق يحتاج اليوم إلى رؤية اقتصادية جديدة تقوم على:
أ/ تعظيم القيمة المضافة للنفط والغاز.
ب/ التوسع في الصناعات البتروكيمياوية والتحويلية.
ج/ استثمارالغاز المصاحب ليكون رافعه اقتصادية مستقبلية للبلد والاستعاضة بتشغيل محطات القدرة بالنفط الخام كالتجربة السعودية التي أنتجت ١.٨ مليار متر مكعب من المياه سنويا بطريقة التناضح العكسي وإنتاج القدرة الكهربائية باستخدام النفط الخام كوقود .
د/ ربط الطاقة بالصناعة والزراعة والنقل.
هـ/ إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية مرتبطة بمصادر الطاقة.
و/ تحويل الطاقة العراقية من إيراد مالي إلى محرك إنتاجي مستدام. إن الدول الناجحة لا تبيع مواردها الخام فقط، بل تبني حولها سلاسل قيمة اقتصادية متكاملة. ومن هنا يجب أن يتحول النفط العراقي من مجرد مصدر لتمويل الموازنة إلى قاعدة لبناء اقتصاد متنوع قادر على خلق الوظائف وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات. كما أن أخطر ما قد يواجه أي حكومة عراقية هو الاسترخاء تحت تأثير ارتفاع أسعار النفط، لأن التاريخ الاقتصادي أثبت أن الاقتصادات الريعية تتعرض لهزات عنيفة عند أول انخفاض في الأسعار أو أي اضطراب عالمي. لذلك فإن بناء اقتصاد إنتاجي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة سيادية وأمنًا قوميًا اقتصاديًا.
ولهذا فإن النصيحة الجوهرية اليوم هي متابعة الاقتصاد والطاقة يوميًا، لا موسميًا. اجعلوا الموازنة أداة إنتاج لا أداة استهلاك. حوّلوا النفط من مورد مالي إلى مشروع حضاري صناعي.
ابدؤوا بمعالجة “القيمة المفقودة” في الاقتصاد العراقي، لأنها المفتاح الحقيقي لنهضة العراق الحديثة.
فالعراق لا يحتاج إلى موازنات أكبر بقدر ما يحتاج إلى اقتصاد أكبر. وهذه المعركة تبدأ من إدارة الطاقة بوصفها مشروعًا لبناء الدولة، لا مجرد مصدر لتمويل الإنفاق الحكومي.