
كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
كرم نعمة
هل تعرفون إلى أين عاد كاظم الساهر في أغنيته الجديدة «متى»؟ لو تدرون كيف سيوقظ هذا اللحن يحيى حمدي ورضا علي ومحمد نوشي وعباس جميل ومحمد عبد المحسن… سيوقظهم واحدًا واحدًا من رقادهم الأبدي، كأنه يطرق أبوابهم القديمة ويقول لهم: ما زال العراق يغني، وما زالت الموسيقى التي صنعتموها قادرة على أن تتنفس من جديد.
منذ اللحظة الأولى لصدور «متى» بدا واضحًا أن كاظم الساهر يقدّم بيانًا موسيقيًا مضمرًا، بيان يقول فيه إنه، بعد كل هذه السنوات من التجريب بين القصيدة الفصحى، والأغنية الرومانسية، والتوزيعات الأوركسترالية الثقيلة، قرر أن يعود إلى نقطة البدء، إلى الجملة العراقية القصيرة، إلى مقام الحجاز كما سمعه طفلًا، إلى النص الشعبي الذي لا يخجل من بساطته، بل يتكئ عليها.
في هذا اللحن، وفي هذا الأداء، وفي هذا النص الذي كتبه على طراز شعري عراقي صِرف يعتمد الجناس، تطابق الكلمات في اللفظ واختلافها في المعنى، ويسمّى الأبوذية — تسمية تبدو وكأنها مستوحاة من أذى الشاعر لنفسه — يعود الساهر إلى الطرقات التي عرفته طفلًا: طرقات بغداد، عتاقة بيوت الموصل، ضفاف شط العرب، ورائحة الأشجار حين تختلط بصوت امرأة تغني في الحقول المفتوحة على الفرات.
يعود إلى ذلك الوله العراقي الذي لم يغادره يومًا؛ الوله الذي يبدأ من أول جملة موسيقية صنعها صالح الكويتي في صوت سليمة مراد، ويمتد حتى يصل إلى أصابعه اليوم وهو يعيد تشكيل الوجدان العراقي بطريقته الخاصة.
إن مقام الحجاز، إذا نُزع عنه الربع تون، يمكن أن يمدّ جسورًا خفية بين السلم الشرقي والغربي، من دون أن يفقد عراقيته. لذلك نسمع في الخلفية وتريات لا تتضخم، وآلات نحاسية خفيفة، وإيقاعًا عراقيًا واضحًا، لكن منضبطًا، لا يجرّ اللحن إلى دبكة، بل يبقيه في منطقة التأمل.
ذلك اللحن الذي لا يتعالى، ولا يتصنع، ولا يركض خلف حداثة فارغة، بل يخرج من قلب الأغنية المخلصة لبيئتها ويعود إليها. كأن الساهر يقول: هذا هو العراق الذي أعرفه… العراق الذي لا يموت مهما ماتت الأزمنة حوله.
من السهل على كاظم الساهر، في هذه المرحلة من مسيرته، أن يحوّل أي لحن إلى استعراض صوتي. لكن ما يلفت في «متى» أنه يختار العكس تقريبًا. يختبر صوته لا ليقول “انظروا ماذا أستطيع أن أفعل”، بل ليقول “اسمعوا ماذا يمكن أن يفعل نص الأبوذية بي”.
هذه ليست أغنية جديدة، بل استعادة لحقبة كاملة من الذائقة العراقية؛ استعادة لزمن كان فيه اللحن يكتب سيرة الناس.
وأجمل ما في هذا العمل أن الساهر لا يعود إلى الماضي بوصفه حنينًا، بل بوصفه مادة خلاقة يعيد تشكيلها بوعي موسيقي ناضج، وبشغف فنان يعرف أن هويته الحقيقية ليست في الألقاب، بل في تلك اللحظة التي يضع فيها إصبعه على الوتر الصحيح فيرتجّ العراق كله.
وعندما ندخل إلى قلب اللحن، نجد أن الساهر يبدأ من منطقة يعرفها جيدًا. الجملة الأولى ليست استعراضًا للصوت، بل تأسيسًا للمزاج: توتر رقيق، إيقاع عراقي لا تخطئه الأذن، وانتظار معلّق في كلمة واحدة هي عنوان الأغنية.
هنا تظهر أولى فضائل اللحن: الاقتصاد. لا زخرفة زائدة، لا قفزات استعراضية، بل خط لحني مستقيم نسبيًا يترك مساحة للكلمة كي تتنفس، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا في الانحناء والصعود.
البنية العامة للأغنية تقوم على ثلاث حركات: مناجاة افتتاحية، ثم تصاعد تدريجي في الجملة اللحنية واتساع في المساحة الصوتية، ثم عودة محسوبة إلى قرار اللحن، كأنها عودة إلى الأرض بعد تحليق قصير.
وفي كل مرة تتكرر فيها كلمة «متى»، يعاملها الساهر كقوس يبدأ من تحت، يصعد إلى ذروة صغيرة، ثم يهبط — لكن الهبوط لا يعود إلى النقطة نفسها، بل إلى مستوى أعلى قليلًا، كأن السؤال يزداد إلحاحًا.
الإيقاع والآلات النحاسية الخفيفة والعود يسمحون للحن أن يتموّج لا أن يندفع، بينما يعود العود والقانون ليضبطا الإيقاع الداخلي، كأنها مشية شخص يفكر وهو يسير على ضفة نهر.
الوتريات ترسم خلفية واسعة بلا تضخيم، والناي يظهر في اللحظات التي يشتد فيها الحنين، كأنه صوت داخلي يعلّق على ما يُقال.
الجمل اللحنية قصيرة، قريبة من الجملة الكلامية. لا تشعر بأن الكلمة خادمة للحن، بل العكس: اللحن ينحني أمام الكلمة، يطيل عند حرف، يختصر عند آخر، يعلو عند مفردة مشحونة، ويهبط عند مفردة منكسرة.
وفي بعض المواضع يعلّق الساهر الجملة على حرف مدّ، ثم يترك الوتريات تكمل ما لم يقله الصوت — تقنية عراقية قديمة تأتي هنا مصقولة ومنضبطة.
هناك لحظات تذكّر مباشرة بروح ألحان رضا علي ومحمد نوشي: تلك القفزة الصغيرة من القرار إلى جواب قريب، ثم العودة السريعة كأنه يتذكر.
التحويل اللحني الخفيف في منتصف الأغنية يرفع درجة التوتر، كأن السؤال صار أكثر وجعًا، قبل أن يعيده في النهاية إلى القرار، كأن الأغنية تقول: سألنا، صرخنا، انتظرنا… ثم عدنا إلى النقطة نفسها، لكننا لم نعد الأشخاص أنفسهم.
وفي موضع آخر يستعيد إرث الغناء الريفي لحضيري أبو عزيز في جملة «تعال… الدنيا من غيرك بلا روح»، ثم ينتهي بالغناء البغدادي على طريقة القبانجي في اختبار صوتي ممتد لا يجرؤ عليه إلا من يمتلك طبقات الساهر: “يهون الألم لعيونك والجروح… حبيبي ودنيتي وغالي عليّ”.
كل هذا الأداء يأتي بلا استعراض، فقط لإشعال شرارة أسى في قلب المستمع.
من الناحية التعبيرية، يشتغل الساهر بذكاء على التدرج الديناميكي: يبدأ باعتراف، يتحول إلى عتاب، ثم إلى احتجاج مكبوت لا ينفلت.
هذا الانضباط جزء من جمال اللحن: لحن متساءل لكنه ليس ضعيفًا؛ حزين لكنه ليس مستسلمًا؛ عاطفي لكنه ليس بكّاءً.
بهذا المعنى، «متى» ليست مجرد عودة إلى النص الشعبي العراقي، بل عودة إلى منطق اللحن العراقي: لحن يخرج من الكلام، لا يُفرض عليه من الخارج.
الساهر هنا لا يقلّد الماضي، بل يتحاور معه، يأخذ من صالح الكويتي روح الجملة الأولى، ومن رضا علي حساسية الانتقال، ومن نوشي وعباس جميل ويحيى حمدي القدرة على جعل الحزن جميلًا، ثم يضع فوق ذلك كله توقيعه الخاص في البناء والاقتصاد والسيطرة على الذروة.
بهذا كله، تبدو أغنية «متى» رهانًا جديدًا على عراقية كاظم الساهر الموسيقية والشعرية.
إنها ليست عودة نوستالجية، بل إعلان ضمني بأن هذا الفنان، حين يكتب ويلحن من قلب التراب العراقي، لا يزال قادرًا على إضافة سطر جديد إلى السيرة الطويلة للأغنية العراقية، لا أن يكتفي بترديد ما كُتب قبل عقود.