
هل يغيّر الذكاء الاصطناعي علم الاقتصاد الرياضي إلى الأبد؟
د. مظهر محمد صالح
منذ نشأة علم الاقتصاد الحديث، ظل البحث عن النظام الكامن وراء حركة الأسواق والأسعار والقرارات الاقتصادية هو الهاجس الأكبر للاقتصاديين. ولأن الاقتصاد يتعامل مع عالم شديد التعقيد، فقد وجد العلماء في الرياضيات اللغة الأكثر قدرة على التعبير عن العلاقات الاقتصادية وصياغة قوانينها بصورة دقيقة ومنهجية.
وعندما نتأمل تاريخ الاقتصاد الرياضي، نجد أنفسنا أمام رحلة فكرية امتدت لأكثر من قرنين، انتقل خلالها الاقتصاد من التأمل الفلسفي والمنطق المجرد إلى عالم النماذج الرياضية المتقدمة والخوارزميات الذكية.
بدأت هذه الرحلة مع أنطوان أوغستين كورنو Cournot الذي أدخل التحليل الرياضي إلى دراسة المنافسة والعرض والطلب، ثم جاء ليون والراس Léon Walras ليضع الأساس الفكري لنظرية التوازن العام، محاولًا تصوير الاقتصاد بوصفه منظومة مترابطة من الأسواق تتحدد فيها الأسعار والكميات بصورة متزامنة. وفي مرحلة لاحقة أسهم فرانسيس إيدجوورث وفيلفريدو باريتو Vilfredo Pareto في تطوير أدوات التحليل الاقتصادي ونظرية الرفاه، مما عزز حضور الرياضيات في بناء النظرية الاقتصادية الحديثة.
ومع القرن العشرين شهد الاقتصاد الرياضي قفزة نوعية مع أعمال جون فون نيومان John von Neumann الذي أدخل مفاهيم رياضية جديدة ونظرية الألعاب إلى التحليل الاقتصادي، وليونيد كانتوروفيتش Leonid Kantorovich الذي أسس لاستخدام البرمجة الخطية في تخصيص الموارد، وتيالينغ كوبمانز Tjalling Koopmans الذي وسّع تطبيقات التحسين الرياضي في دراسة النشاط الاقتصادي.
لكن ذروة المشروع الرياضي في الاقتصاد تجلت في أعمال بول سامويلسون Paul Samuelson الذي رسخ المنهج الرياضي الحديث، ثم في الإنجاز التاريخي لكل من كينيث آرو وجيرار ديبرو Kenneth Arrow و Gérard Debreu اللذين استعانا بأدوات متقدمة من الطوبولوجيا ونظرية النقطة الثابتة لإثبات وجود التوازن العام في الاقتصاد. وفي الوقت نفسه قدم جون ناش John Nash مفهوم التوازن الاستراتيجي الذي أعاد تشكيل فهمنا للتفاعل بين الفاعلين الاقتصاديين، بينما جاءت إسهامات استاذي في الاقتصاد الرياضي سدني افريات Sydney Afriat في جامعة اوتاوا قبل اكثر من اربع عقود ونيف لتربط بين السلوك الاقتصادي المرصود والنظرية الرياضية من خلال اختبار اتساق الاختيارات الفردية مع فرضيات العقلانية الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن هذا التاريخ العلمي المذهل يطرح مفارقة لا تخلو من الدلالة. فبينما احتاج الاقتصاديون إلى أكثر فروع الرياضيات تجريدًا وتعقيدًا لإثبات إمكان وجود التوازن، ظل التاجر الصغير وصاحب المتجر والبقال في الأسواق الشعبية يتخذون قراراتهم السعرية يوميًا اعتمادًا على الخبرة والحدس والملاحظة المباشرة لحركة السوق. لم يكونوا يعرفون شيئًا عن الطوبولوجيا أو مبرهنات النقطة الثابتة، لكنهم كانوا يقتربون عمليًا من أسعار تحقق قدرًا معقولًا من التوازن بين الربح والمخاطرة وتصريف البضائع.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت مهمة الاقتصاد الرياضي هي تفسير الواقع كما هو، أم إثبات أن الواقع يمكن أن يكون منسجمًا منطقيًا من الناحية النظرية؟
لقد سعى الاقتصاد الرياضي التقليدي إلى بناء نماذج تقوم على فرضيات واضحة: عقلانية الأفراد، وتعظيم المنفعة، وكفاءة الأسواق، وإمكان الوصول إلى حالات التوازن. وكانت قوة هذه النماذج تكمن في اتساقها الداخلي وقدرتها على تقديم تفسيرات عامة للسلوك الاقتصادي.
إلا أن ظهور الذكاء الاصطناعي يضعنا أمام تحول معرفي جديد قد يكون الأعمق منذ ظهور نظرية التوازن العام نفسها.
فالذكاء الاصطناعي لا يبدأ من الفرضيات، بل من البيانات. وهو لا يسأل كيف ينبغي أن يتصرف الأفراد وفقًا للنموذج، بل كيف يتصرفون فعلاً في الواقع. كما أنه لا يبحث بالضرورة عن الحل الأمثل رياضيًا، وإنما عن الحل الأكثر فاعلية في بيئة متغيرة وغير مؤكدة.
لقد اعتاد الاقتصاد الرياضي أن يتحرك من النظرية إلى الواقع، أما الذكاء الاصطناعي فيتحرك غالبًا من الواقع إلى النظرية. وهذه النقلة تمثل تحولًا جوهريًا في منهج التفكير الاقتصادي
ويبدو هذا التحول واضحًا في ثلاثة مجالات رئيسة.
أولاً، الانتقال من النماذج النظرية المغلقة إلى النماذج التكيفية. فالذكاء الاصطناعي قادر على التعلم المستمر من السلوك الفعلي للمستهلكين والشركات والأسواق، دون الحاجة إلى افتراضات مسبقة صارمة حول طبيعة هذا السلوك.
ثانيًا، الانتقال من البحث عن الحل الأمثل إلى البحث عن القرار الكفوء والقابل للتطبيق. ففي عالم تسوده عدم اليقين والتغيرات السريعة، قد يكون القرار الجيد في الوقت المناسب أكثر قيمة من القرار الأمثل الذي يأتي متأخرًا.
ثالثًا، الانتقال من التحليل الساكن إلى المحاكاة الديناميكية. إذ تتيح تقنيات التعلم الآلي بناء بيئات اقتصادية افتراضية يمكن فيها دراسة التفاعلات والتوقعات والاستجابات المتبادلة بصورة مستمرة، وهو ما يقربنا أكثر من الواقع الاقتصادي الحي.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لا يعني نهاية الاقتصاد الرياضي. فالنظرية الاقتصادية ستظل ضرورية لفهم العلاقات السببية، وتحديد القيود، وتفسير النتائج. فالخوارزميات تستطيع اكتشاف الأنماط، لكنها لا تستطيع دائمًا تفسير أسباب وجودها أو دلالاتها الاقتصادية.
ولهذا فإن المستقبل لا يبدو صراعًا بين الرياضيات والذكاء الاصطناعي، بل شراكة متنامية بينهما. فالنظرية الاقتصادية توفر المنطق والتفسير، بينما يوفر الذكاء الاصطناعي القدرة على التعلم من الواقع والتعامل مع تعقيداته الهائلة.
من هنا، فإن السؤال لم يعد: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الاقتصاد الرياضي؟ بل: كيف سيعيد تشكيله؟
إن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الاقتصادي ،مرحلة تنتقل فيها دراسة الأسواق من البحث عن التوازنات الثابتة إلى دراسة عمليات التعلم والتكيف المستمر. وعندها قد يصبح الاقتصاد أقل انشغالًا بإثبات وجود التوازن، وأكثر اهتمامًا بفهم الكيفية التي تتشكل بها الأنماط الاقتصادية وتتطور في عالم تتفاعل فيه العقول البشرية مع الخوارزميات الذكية لحظة بلحظة.
وهكذا، فإن رحلة الاقتصاد الرياضي التي بدأت مع كورنو ووالراس، ومرت بإيدجوورث وباريتو وفون نيومان وسامويلسون وآرو وديبرو وناش وأفريات، تدخل اليوم فصلًا جديدًا. فصلًا لا تلغى فيه الرياضيات، بل تُعاد صياغة أدوارها في ضوء ثورة الذكاء الاصطناعي، لتنشأ مدرسة اقتصادية أكثر قدرة على تفسير الواقع واستشراف المستقبل، وأكثر اقترابًا من ديناميكيات التحول الاقتصادي في عالم تقوده البيانات والخوارزميات الذكية.