
رؤية في رؤية المنهاج الوزاري
عبد الزهرة محمد الهنداوي
يحمل المنهاج الوزاري للحكومة العراقية الجديدة، والذي نال ثقة البرلمان للأعوام (2026–2029) رؤية لافتة: “دولة مستقرة – اقتصاد منتج – شراكات متوازنة”، وهي رؤية تشي عن مسعى للتحول التدريجي من اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كلية على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على خلق القيمة المضافة والإنتاج الحقيقي، وقد تضمّن المنهاج 14 محورًا رئيسا، غلب على اغلبها الطابع الاقتصادي، وهو ما يحتاجه العراق في هذه المرحلة الضاغطة.
اقتصاديا، يمكن قراءة المنهاج من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بإدارة الأزمة المالية المزمنة الناتجة عن الهيمنة النفطية على الموازنة العامة، والثانية ترتبط ببناء بدائل مستدامة لهذا الاعتماد المتوارث، فالمنهاج لا يدعو الى الاستغناء عن النفط بسرعة، بل يجده رافعة انتقالية لتمويل التحول نحو اقتصاد منتج.
القطاع الصناعي يحضر بوصفه أحد أهم المرتكزات التي يمكن اعتمادها، عبر إعادة تأهيل المصانع الحكومية المتوقفة، او ايجاد معالجات منطقية لهذا الملف، الذي بات يشكل عبئا اقتصاديا، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص، مع التركيز على الصناعات التحويلية المرتبطة بالمواد الأولية المحلية، بما يقلل الاستيراد ويزيد التشغيل، وهذا التوجه مهم، لأن العراق يعاني من اختلال بنيوي يتمثل في تحوله إلى سوق استهلاكية واسعة للمنتجات الخارجية.
أما القطاع الزراعي، فقد عاد إلى الواجهة باعتباره ملفا اقتصاديا وسياديا في آن واحد، خصوصا مع تحديات المياه والتغير المناخي، وهنا فان المنهاج يربط بين الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية، ويمنح الزراعة بعدا استراتيجيا، وهذا الربط مهم، لأن دعم الزراعة يعني تقليل الاستيراد، وتحقيق استقرار سكاني في الريف، وتقليل البطالة، وبالتالي تخفيف الضغط عن المدن.
اما في جانب الإصلاح المالي، فان اللافت في هذا المحور، توجه الحكومة نحو تأسيس مجلسين مهمين، الاول هو المجلس الاعلى للاستقرار المالي والنقدي، والثاني هو المجلس الاعلى للاستثمار، بالاضافة الى تأسيس صندوق الاجيال، الذي طال انتظاره، دون ان يغفل الحديث عن الانضباط المالي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتطوير النظام المصرفي، والتحول نحو الحوكمة الرقمية، بما يقلل الهدر والفساد ويعزز كفاءة الإنفاق العام، وهنا تكمن العقدة الحقيقية، إذ إن نجاح أي برنامج اقتصادي لا يرتبط فقط بحسن التخطيط، بل بقدرة الدولة على فرض الإدارة الرشيدة.
كما أن المنهاج يعيد تعريف العلاقة بين القطاعين العام والخاص، هذه العلاقة غير الواضحة، والمرتبكة احيانا، عبر منح الاخير دورا اوسع في التنمية والاستثمار، وفقا لمستهدفات خطة التنمية الخمسية 2024-2028، وهذا التحول، إذا نُفذ فعلا، فانه سيحقق نقلة حقيقية في سوق العمل، وتوليد المزيد الانشطة الاقتصادية المتشابكة وكثيفة العمالة.
لكن في المقابل فإن نجاح الحكومة اقتصاديا لن يُقاس بما ورد في المنهاج، بل بما سيتحول إلى مشاريع ملموسة وفرص عمل حقيقية وتحسن فعلي في حياة المواطنين عبر برنامج وزاري بمسارات واضحة قابلة للقياس والتحقق.