
قصر النهاية: حوار مع الخوف
د .مظهر محمد صالح
في يومٍ شَحَبَت فيه شمس الظهيرة وهي تلامس آلام جسدٍ وعقلٍ أنهكتهما الزنزانة، كان مطلع خريف العام 1971.
يومها أُغلقت الحلقة الأخيرة من حلقات التحقيق، بعد أن تولّى استجوابي قاضٍ خُيّل إليّ أنه يحمل شهادة جامعية ، وإن كانت الكلمات التي خرجت من فمه أشد قسوة من أن تحتاج إلى شهادة.
فبين عنف الأسئلة وبراءة القضية، صدر القرار بإطلاق سراحي.
خرجت من الغرفة التحقيقية المطلة على فناء التحقيق ، لكنني لم أخرج من الخوف ، بقيت في الانتظار ، معصوب العينين ، إلى أن سُنحت لي، بغفلةٍ خاطفة، فرصة أن ألمح ما لم يكن ينبغي لعيني أن تراه.
رأيت شابًا حُشر داخل إطار عجلة شاحنة مجوفة، وأُدخل الرجل في ذلك الإطار كأن جسده لم يعد جسد إنسان، بل مادةً للتعذيب. كان الصراخ يتردد في أرجاء المكان، حتى بدا لي أن السماء نفسها معلقة على إيقاع ذلك العذاب.
في تلك اللحظة أدركت أن السجن ليس جدرانًا وأبوابًا فحسب ، السجن قد يكون صوتًا، أو نظرة، أو احتمالًا مؤجلًا للموت. وأن الإنسان حين يرى عذاب إنسان آخر ، يصبح شاهدًا على ضعفه هو أيضًا.
انتهى التحقيق، لكن الأمر لم ينتهِ تمامًا.
قبل مغادرتي السجن، أُبلغنا بأن علينا أن نلتقي برئيس جهاز العلاقات العامة في بناية القصر الملكي في الطابق الثاني ، كان المكتب فخمًا ، على نحوٍ يتناقض بصورة جارحة مع المكان الذي جئت منه. كان الرجل معروف الصورة في ذاكرتي، وقد جلس أمامنا يتحدث عن دورنا في الحياة ، وعن ضرورة الابتعاد عن عالم التجاذبات التي تصطدم بالنظام السياسي.
كنت جالسًا على أريكة إلى جانبِه الأيسر حين التفت إليّ وسأل:
— هل أنت طالب جامعي؟
أجبته:نعم، ولم يبقَ على تخرجي سوى أشهر قليلة.
ثم سألني عن طموحاتي.
تحدثت بعفوية شاب لم يتعلم بعد كيف يخاف من أحلامه. حدثته عما كان يجول في خاطري عن إدارة الاقتصاد الكلي ، والنهوض بالاقتصاد الوطني، وعن دور الشباب في بناء وعي اقتصادي يمكن أن يخدم نهضة البلاد.
كنت أتكلم عن المستقبل، بينما كان الرجل ينظر إليّ من زاوية أخرى.
شعرت أن حديثي المفعم بالاندفاع لم يَرُق له كثيرًا. ثم فاجأني بقوله:
— جيدة طموحاتك المهنية والعلمية، ولكن أخشى عليك أن تصبح شيوعيًا!
تبسمت، ربما لأنني لم أدرك في تلك اللحظة أن الجملة لم تكن نصيحة، بل كانت تحذيرًا ..!
أجبته ببساطة:أنا اقتصادي فحسب.
غادرت مجلسه، لكنني لم أغادر الجملة.
ركبت حافلة السجن، وبعد الظهر تركتني في منتصف الدوار المقابل لمعرض بغداد ، نزلت وحيدًا ، ولم أفكر في شيء. لم أفعل سوى أن ركضت، دون وعي، صوب حي المنصور، حتى وصلت إلى دار شقيقتي، وكانت أقرب نقطة أعرفها.
كنت قد خرجت من السجن، لكن السجن لم يخرج مني.
كان جسدي يتحرك في شوارع بغداد بحرية، بينما كان عقلي يركض خلف سؤال واحد: ماذا لو أصبحت كلمة «شيوعي» تهمة جديدة؟ وماذا لو كان الخروج من الزنزانة مجرد انتقال من غرفةٍ مغلقة إلى وطنٍ واسعٍ لا تزال جدرانه قائمة؟
في ذلك اليوم تعلمت أن الخوف لا ينتهي لحظة فتح باب السجن. أحيانًا يبدأ الخوف الحقيقي بعد أن يُفتح الباب.
فالجلاد لا يحتاج دائمًا إلى سوطٍ أو غرفة تحقيق. يكفيه أن يزرع في رأس الضحية احتمالًا، ثم يتركها تكمل عملية التعذيب بنفسها.
وحينها يتحول الخوف إلى حارسٍ داخلي ،لا ينام ولا يحتاج إلى أوامر، ولا ينتظر حضور السجان.
أما الضحية، فهي لا تحمل آثار التعذيب على جسدها وحده. تحملها في لغتها ، وفي صمتها، وفي الطريقة التي تختار بها كلماتها ، وفي الأحلام التي تبدأ بمراجعتها قبل أن تنطق بها.
لقد كان الجلاد يريد مني أن أخاف من أن أكون شيوعيًا ، بينما كنت أخاف من أن أُتهم بأنني كذلك. وبين الحقيقتين مسافة صنعتها السلطة: أن يصبح الإنسان مسؤولًا ليس عما فعل، بل عما يمكن أن يظُن أنه سيفعله.
وربما كانت تلك هي المفارقة الأكثر قسوة في علاقة الجلاد بالضحية : الجلاد يريد أن يملك جسد الضحية ، لكن سلطته الحقيقية تبدأ حين ينجح في امتلاك خيالها.
منذ ذلك اليوم، بقيت عبارة «إياك والشيوعية» تلاحقني.
لم تكن مجرد كلمات قيلت في مكتب فخم داخل قصر، كانت بابًا آخراً للخوف، بابًا لا يُرى، ولا يُغلق بالمفتاح. وكان عليّ أن أتحفظ من تهمة جديدة، تهمة قد لا تحتاج إلى دليل، وقد تقودني هذه المرة إلى الموت.
خرجت من السجن حيًا…لكنني خرجت وأنا أعرف أن النجاة ليست دائمًا نهاية المحنة ، أحيانًا تكون بدايتها الأكثر هدوءًا.