صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/9/30 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
فائق زيدان .. حين ينتصر القانون ينتصر الوطن .. ضياء هاشم الغريفي


المشاهدات 1150
تاريخ الإضافة 2026/09/29 - 8:48 AM
آخر تحديث 2026/09/30 - 1:02 AM

فائق زيدان .. حين ينتصر القانون ينتصر الوطن

 

بقلم الصحفي ضياء هاشم الغريفي

 

في بلد مر خلال العقود الماضية بتحولات سياسية وامنية واجتماعية عميقة، لم يعد دور القضاء العراقي مقتصرا على الفصل في الخصومات واصدار الاحكام، بل بات جزءا اساسيا من معركة الدولة في ترسيخ سيادة القانون، وحماية الحقوق، والحفاظ على السلم المجتمعي

وفي قلب الاحداث المتشابكة والساحنة برز اسم القاضي الدكتور فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الاعلى، الذي ارتبطت مسيرته بالعمل القضائي خلال أكثر من عقدين ونصف، تدرج خلالها في مواقع قضائية مهمة، حتى وصل الى رئاسة مجلس القضاء الاعلى.. خلال مرحلة حرجة اتسمت بتعقيد الملفات وتعدد التحديات.

وتتجاوز قراءة تجربة القاضي زيدان.. حدود المناصب التي شغلها، لتصل الى طبيعة الرؤية التي حملها الى المؤسسة القضائية، والملفات التي تعامل معها، والجهود التي بذلها لتطوير اداء القضاء، وتعزيز استقلاله، وتوسيع علاقاته القضائية مع المؤسسات الدولية، فضلا عن اهتمامه بالبحث القانوني والأكاديمي.

 

من المحاماة الى قمة الهرم القضائي

ولد القاضي الدكتور فائق زيدان في بغداد عام 1967م، وحصل على البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد عام 1991م، قبل ان يبدأ حياته المهنية محاميا في بغداد، ثم يلتحق فيما بعد بالمعهد القضائي ويباشر مسيرته في السلك القضائي عام 1999م، وتدرج في عدد من المواقع القضائية، فعمل في المحاكم المدنية والجزائية، قبل ان يتولى عام 2005 رئاسة محكمة التحقيق المركزية المختصة بقضايا الارهاب والجرائم المهمة، في واحدة من اكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق الحديث، وكانت تلك المرحلة اختبارا حقيقيا لقدرة القضاء على تحقيق معادلة دقيقة في مواجهة الارهاب والجريمة المنظمة من جهة، والحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون من جهة أخرى.

بعدها واصل تدرجه القضائي، فتولى منصب نائب رئيس المحكمة في بغداد، ثم عضوية محكمة التمييز الاتحادية، قبل ان يصبح نائبا لرئيسها، ثم رئيسا لها عام 2016م.

وفي 23 من كانون الثاني م2017، تولى رئاسة مجلس القضاء الاعلى، ليدخل مرحلة جديدة ارتبطت بإدارة واحدة من اهم مؤسسات الدولة العراقية.

استقلال القضاء.. حماية للمواطن قبل ان يكون امتيازا للمؤسسة

يمكن اختصار الرؤية التي طبعت هذه المسيرة بثلاثة عناوين رئيسية وهي:

( القانون.. الاستقلال .. المؤسسة )

فالقضاء المستقل لا يعني استقلال القاضي عن الدولة، بل استقلاله في تطبيق القانون، بعيدا عن الضغوط السياسية او الادارية او الاجتماعية، والاستقلال في جوهره ليس امتيازا يمنح للقاضي، بل ضمانة للمواطن الذي يدخل المحكمة، ويفترض ان يكون الحكم مبنيا على القانون والادلة والاجراءات، لا على النفوذ او الانتماء او المصالح، ومن هذه الزاوية، اكتسب موضوع استقلال القضاء اهمية خاصة خلال مرحلة رئاسة زيدان لمجلس القضاء الاعلى، باعتباره اساسا لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

قانون مجلس القضاء الاعلى.. محطة مؤسسية مهمة

من المحطات البارزة خلال هذه المرحلة صدور قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 45 لسنة 2017م، الذي نظم عمل المجلس وحدد اطاره المؤسسي في ادارة شؤون السلطة القضائية، ومثل القانون محطة مهمة في مسار تنظيم عمل المؤسسة القضائية، وترسيخ مبدأ ادارة شؤون القضاء وفق اطار قانوني ومؤسسي واضح، كما اعتمد مجلس القضاء الاعلى يوم 29 تشرين الاول من كل عام يوما للقضاء العراقي، ليكون مناسبة لتسليط الضوء على دور المؤسسة القضائية ورسالتها في حماية القانون والحقوق والحريات.

القضاء وتفسير النصوص الدستورية في الازمات

لم يقتصر حضور القضاء خلال السنوات الماضية على القضايا الجزائية والمدنية، بل برز ايضا دوره في التعامل مع الاشكالات المرتبطة بتفسير النصوص الدستورية، ولا سيما خلال بعض الازمات التي واجهت العملية السياسية، وفي هذا السياق، كان للقاضي فائق زيدان دور مهم في معالجة المسائل الدستورية والقانونية التي تتطلب قراءة دقيقة للنصوص وتحديد حدود الاختصاصات بين مؤسسات الدولة، بما يعكس اهمية القضاء في ضبط التوازن بين السلطات والاحتكام الى الدستور والقانون عند نشوء الخلافات وتكتسب هذه المسألة اهمية خاصة في دولة مثل العراق، حيث تتداخل الملفات السياسية والدستورية والقانونية، ويصبح الاحتكام الى النص الدستوري والقواعد القانونية ضرورة للحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة.

 

اختيار الكفاءات.. المؤسسة لا تبنى بشخص واحد

ومن الجوانب المهمة في ادارة المؤسسة القضائية، اختيار القضاة القادرين على تحمل المسؤولية في المواقع المختلفة، لان نجاح المحاكم لا يرتبط فقط بالنصوص والانظمة، بل بالكفاءات التي تتولى تطبيقها وقد كان لاختيار مجموعة من القضاة البارزين وتوليهم مسؤوليات قيادية في المحاكم دور في تعزيز اداء المؤسسة، ومن بين الامثلة على ذلك الأستاذ رئيس الاشراف القضائي، والقاضي الأستاذ حسن سودي، رئيس محكمة استئناف النجف الاشرف والقاضي الأستاذ ضياء جعفر وعدد مهم جدا من القضاة العراقيين في محاكم الاستئناف والتمييز وباقي المحاكم في عموم العراق ، فهؤلاء نخبة من الكفاءات الوطنية النزيهة تمثل نموذجا للكفاءات القضائية التي تتولى ادارة المحاكم ومتابعة العمل القضائي في المحافظات كافة، وهنا تظهر اهمية الانتقال من فكرة ارتباط المؤسسة بشخص المسؤول الى بناء منظومة تعتمد على الكفاءة والخبرة والانضباط، بما يضمن استمرارية العمل القضائي وتراكم الخبرات.

بناء القاضي يبدأ من بناء المؤسسة التعليمية

القضاء لا يبنى بالمحاكم والابنية والانظمة فقط، بل يبدأ من القاضي نفسه، ومن الملفات التي حظيت بأهمية هي تطوير المعهد القضائي، بعد صدور القانون رقم 70 لسنة 2017م، المتعلق بضم المعهد القضائي الى مجلس القضاء الأعلى.

وتكمن اهمية هذه الخطوة في ان القاضي يحتاج، الى جانب المعرفة القانونية، ثقافة دستورية، وخبرة عملية، وقدرة على التحليل، واستقلال في التفكير، وشعور عميق بمسؤولية القرار القضائي، ولهذا فان تطوير المعهد القضائي يمثل استثمارا مباشرا في مستقبل العدالة، لان جودة الاحكام تبدأ من جودة التكوين العلمي والمهني للقاضي.

التحول الرقمي.. عدالة أكثر قربا من المواطن

كما شهدت المؤسسة القضائية خلال السنوات الماضية توجها نحو ادخال الانظمة الالكترونية في تقديم عدد من الخدمات والاجراءات القضائية، في خطوة تعكس الانتقال التدريجي من النمط التقليدي الى نموذج اكثر سرعة وتنظيما، واسهم التحول الرقمي في تقليل الروتين، وتسريع الاجراءات، وتحسين مستوى الخدمات، وتسهيل وصول المواطن الى المؤسسة القضائية، فضلا عن تعزيز كفاءة العمل الاداري والقضائي، كما ارتبطت المرحلة بالاهتمام بتطوير دور القضاء في المحافظات، بما يعزز حضور المؤسسة ويجعل العدالة اكثر قربا من المواطنين.

مواجهة الارهاب.. القانون في مواجهة الفوضى

فالمسيرة القضائية للقاضي فائق زيدان لم تتوقف عند تجربته في رئاسة محكمة التحقيق المركزية المختصة بقضايا الارهاب والجرائم المهمة، بل كان سدا منيعا من العدالة بوجه الشبكات الإرهابية والاجرامية، ففي مرحلة كانت الدولة العراقية تواجه تهديدا ارهابيا واسعا، كان القضاء امام تحد مزدوج: حماية المجتمع من الجرائم الخطرة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قواعد المحاكمة والاجراءات القانونية، وهنا تبرز قاعدة اساسية: قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الجريمة، بل بقدرتها على تقديم مرتكبيها الى العدالة وفق القانون، فالإرهاب يواجه بالقانون، والعدالة تفقد معناها اذا تخلت عن القواعد التي تحمي حقوق المجتمع والمتهمين في آن واحد.

التعاون الدولي.. مد جسور القضاء العراقي مع العالم

كما لم يعد التعاون القضائي الدولي ترفا في عالم تتجاوز فيه الجريمة الحدود الجغرافية. فالإرهاب، والجريمة المنظمة، والفساد، والجرائم الالكترونية، وقضايا غسل الاموال، كلها ملفات تتطلب تنسيقا بين المؤسسات القضائية في الدول المختلفة، ومن هنا، كان تعزيز العلاقات القضائية الدولية واحدا من اهم الملفات في مسار مجلس القضاء الاعلى، والانفتاح على المؤسسات القضائية والقانونية في الدول الاخرى، لتبادل الخبرات والتجارب، وتطوير قنوات التعاون، وقد تمخض هذا الانفتاح عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم والتعاون القضائي، بما يسهم في مد جسور التواصل بين القضاء العراقي ونظيره في الدول الاخرى، والاستفادة من الخبرات القانونية المقارنة، وتعزيز قدرة المؤسسة القضائية على التعامل مع القضايا العابرة للحدود، ولا يعني الانفتاح على التجارب الدولية التخلي عن الخصوصية القانونية العراقية، بل الاستفادة من الخبرات المتاحة بما يخدم المصلحة الوطنية ويطور ادوات العمل القضائي.

البعد الأكاديمي.. القانون لا يتوقف عند قاعة المحكمة

فألى جانب عمله القضائي، حافظ القاضي الدكتور فائق زيدان على اهتمامه بالبحث القانوني والاكاديمي

فقد حصل على الماجستير في القانون الدولي عام 2017م، ثم الدكتوراه في القانون العام عام 2020م، وكانت اطروحته بعنوان: "رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات"، وهو موضوع يرتبط بشكل مباشر بالعلاقة بين السلطات، وحدود الاختصاص، ودور القضاء في حماية التوازن الدستوري.

ومن مؤلفاته: "رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات"، و"استقلالية السلطة القضائية بين النظرية والتطبيق" ، كما تناولت بحوثه عددا من المسائل القانونية المتخصصة، بما يعكس اهتماما لا يقتصر على التطبيق العملي للقانون، بل يمتد الى دراسة اصوله النظرية والدستورية.

الإعلام والقضاء.. شراكة في خدمة المصلحة العامة

وبعيدا عن لغة المناصب والقوانين، تبقى للقاءات الانسانية والمهنية دلالتها الخاصة، وقد اتيحت لكاتب هذا المقال فرصة اللقاء بالقاضي الدكتور فائق زيدان، وكان حديثه الشيق حينها يدور حول اهمية الاعلام ودوره في المجتمع، وضرورة دعم الاسرة الصحفية، ليس من زاوية العلاقة البروتوكولية بين مؤسستين، بل من زاوية اوسع ترتبط بدور الاعلام في نقل الحقيقة وتعزيز الوعي العام وتوعية المجتمع ونشر الثقافة القانونية ومنجزات القضاء العراقي. ودور القضاء في استقرار العراق وحماية المجتمع، فالصحافة العراقية المهنية والقضاء المستقل يلتقيان في مساحة مشتركة هي المصلحة العامة، فالأعلام ينقل المعلومات ويكشف مواطن الخلل، ويسهم في صناعة الوعي، فيما يطبق القضاء القانون ويفصل في النزاعات.

الوحدة الوطنية.. العدالة اساس التعايش

ولعل من أكثر الموضوعات التي بقيت حاضرة في ذلك اللقاء، الحديث هو حديثه عن الوحدة الوطنية والتعايش السلمي وترسيخ العدالة، فالعراق بلد متنوع، ويمكن لهذا التنوع ان يكون مصدر قوة عندما يحتكم الجميع الى القانون والمواطنة، ولكنه قد يتحول الى مصدر صراع عندما تغيب العدالة وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ومن هنا، لا يؤدي القضاء وظيفة قانونية فحسب، بل يؤدي ايضا وظيفة اجتماعية ووطنية. فعندما يشعر المواطن بان القانون يحميه، تقل حاجته الى الوساطة والنفوذ والانتماءات الضيقة، وعندما يثق الناس بالقضاء تصبح المحكمة مساحة لحل الخلافات لا لتوسيعها.

العدالة ليست حكما فقط

ربما تكون الخلاصة الاهم في اي تجربة قضائية ان العدالة لا تختصر في حكم يصدر من المحكمة، بل هي منظومة متكاملة من القانون والمؤسسات والثقة والوعي، فالقاضي يصدر الحكم، لكن الدولة هي التي تحمي القانون، والمجتمع هو الذي يحترم الحكم، والاعلام يسهم في توضيح اهمية القانون، والمؤسسات التعليمية والقضائية تصنع الوعي القانوني، ولهذا، فان تطوير القضاء لا يمكن فصله عن تطوير الدولة نفسها، لان القضاء القوي يحتاج الى مؤسسات قوية، والقانون يحتاج الى مجتمع يؤمن بانه المرجعية التي يحتكم اليها الجميع.

ماذا يبقى بعد القاضي؟ ومنجزاته كالشمس

بعد أكثر من عقدين ونصف العقد من العمل القضائي، انتقل القاضي فائق زيدان من المحاماة الى القضاء، ومن المحاكم الى محكمة التمييز الاتحادية، ثم الى رئاسة مجلس القضاء الاعلى، وارتبطت مسيرته بملفات حساسة ومهمة، من مكافحة الارهاب والجرائم المهمة، الى استقلال القضاء، وتطوير المعهد القضائي، والتحول الرقمي، والتعاون القضائي الدولي، وتفسير النصوص الدستورية، والبحث القانوني.

لكن السؤال الذي يبقى امام اي تجربة قضائية هو: ماذا يبقى بعد انتهاء المنصب؟

تبقى المؤسسة، وتبقى القواعد، وتبقى الخبرات، وتبقى الثقافة القانونية، والاهم من ذلك تبقى الثقة التي تنشأ بين المواطن والدولة، وهنا تقاس قيمة التجربة القضائية بقدرتها على الانتقال من الحضور الشخصي الى الاثر المؤسسي، بحيث يستمر البناء حتى بعد تغير الاشخاص والمناصب، ووسط هذه المحاكم والقوانين والقرارات، تبقى صورة القاضي العادل فائق زيدان ورئاسته وادارته وحنكته وخبراته ومنجزاته.

حين ينتصر القانون ينتصر الوطن

نعم.. العراق بحاجة الى قضاء قوي ومستقل، ليس لحماية القاضي، بل لحماية المواطن والدولة والقانون، وهو بحاجة ايضا الى اعلام مهني حر ومسؤول، لا لمواجهة المؤسسات، بل لمراقبة الاداء وكشف الخلل وتعزيز الوعي العام.

والعراق بحاجة الى خطاب وطني يعلي قيم المواطنة والتعايش والوحدة الوطنية، لان الدولة لا تبنى بالانقسام، بل بالعدالة وتكافؤ الفرص واحترام القانون.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة القاضي الدكتور فائق زيدان جزءا من مرحلة مهمة في تاريخ القضاء العراقي الحديث، بما شهدته من جهود في تطوير المؤسسة القضائية، وتعزيز استقلالها، وتوسيع تعاونها الدولي، والاهتمام بالكفاءات القضائية، والتعامل مع الملفات الدستورية والقانونية المعقدة.

اما اللقاء الشخصي به، فقد ترك انطباعا بان الحديث عن القضاء لا ينبغي ان يبقى محصورا في قاعات المحاكم ومواد القوانين، لان العدالة في معناها الاوسع ترتبط بحياة الناس، وامن المجتمع، وكرامة المواطن، ووحدة الوطن.

                         وفي نهاية المطاف، يبقى القانون الحصن الاخير للدولة

 ويبقى القضاء المستقل الضمانة التي يلجأ اليها المواطن عندما تتعدد السلطات وتتعارض المصالح

 


تابعنا على
تصميم وتطوير