صحيفة
الإخبارية المستقلة
الثلاثاء 2026/4/14 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة التراب


المشاهدات 1012
تاريخ الإضافة 2026/04/14 - 8:22 AM
آخر تحديث 2026/04/14 - 4:07 PM

وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة التراب

د.مظهر محمد صالح 

 

 مدَّ الربيعُ بساطَه الأخضر بين سفوح كردستان، ممتدًا بخيراته نحو سهول نينوى، حيث تتمازج سنابل الحبوب مع وردةٍ سكنت الذاكرة العراقية طويلًا: وردة البابونك، التي ما زالت تمنحنا دواءً بسيطًا وعميق الأثر، يلامس صحة الكبار والصغار.

كأن الأرض، حين تزهر بها، تُصلح شيئًا خفيًا في أرواحنا.

تتلاشى آثار الحروب أمام نقاء المطر، وتعود الطبيعة لتُعلن حضورها بهذه الزهرة الهادئة، كأنها تقول للإنسان: هنا يكمن بعض من شفائك.

هي سلامٌ يُشرب، لا يُقال.

في مواسم القطاف، يسبق البابونك حصاد الحبوب، في مشهدٍ يجمع بين الصحة والخير، بين سنبلة الحنطة وزهرة الربيع. ومع حلول الربيع، تنطلق العائلات لقطافه، وتجفيفه، والاحتفاظ به كزادٍ للبيوت وذاكرةٍ لا تغيب.

في طفولتنا، كانت رفوف المنازل تمتلئ بعبق هذه الزهرة البيضاء ذات القلب الأصفر، تُغنينا عن كثير من العلاجات البسيطة.

كانت أول ما يُقدَّم عند نزلات البرد، تُشرب ساخنة، فتُهدّئ الصدر، وتُريح المعدة، وتبث الطمأنينة في النفوس.

ما أبسطها شكلًا… وما أعمق أثرها.

لم أدرك يومًا أن البابونك يتجاوز كونه إرثًا شعبيًا، حتى أيام دراستي في المملكة المتحدة، حين وصفه لي طبيب كعلاجٍ عشبي، باسمه العلمي Matricaria chamomilla. هناك، رأيت كيف تُقدّر الأمم هذه الزهرة الصغيرة، وتُقدّمها في عبواتٍ أنيقة، بوصفها أحد أشهر النباتات الطبية منذ القدم، خصوصًا في حضارات منطقتنا.

وفي سنغافورة، عاد إليّ البابونك من جديد، لا كدواء هذه المرة، بل كمشروبٍ دافئ في مقهى بعيد. شربته بشيءٍ من الامتنان، كأن عبقه يحملني إلى الحقول الأولى، ويُعيد إليّ طمأنينة البيوت القديمة.

حينها أدركت: هذه الزهرة لا تُقطف لتذبل، بل لتبدأ حياةً أخرى في ذاكرتنا.

في “أم الربيعين”، ومع نوروز، كانت العائلات تخرج نحو السفوح لقطاف البابونك، في طقسٍ يجمع بين البهجة والتوارث. هناك، كانت الطبيعة تُعلّمنا ببساطة أن الشفاء قد يكون أقرب مما نتصوّر.

كانت جدّتي تقول: إن للبابونك سرًا لا يُقال.

لم أفهم عبارتها تمامًا، لكنني شعرت بها. فهو لا يلفت النظر، ولا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا عميقًا، كيدٍ حنونة تربّت على كتف الإنسان في صمت.

في كل رشفةٍ منه، تمتزج حكايات الحقول بهمسات الجدّات، ويعود إلينا شيءٌ من صفاء البدايات.

هنا، في كردستان ونينوى، تظل وردة البابونك أكثر من مجرد زهرة،

إنها ذاكرة أرض، وطمأنينة روح، ووعدٌ صامت بأن هذه الأرض، مهما أثقلتها الأيام، لا تزال تعرف كيف تُزهر سلامًا.


تابعنا على
تصميم وتطوير