
القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
د.مظهر محمد صالح
المستشار المالي لرئيس الوزراء
( تأملات في تحولات الجمال بين الماضي والحاضر)
في مدينة نيوكاسل أبون تاين، حيث تلتقي ذاكرة الثورة الصناعية بنبض الحداثة، لا يبدو التاريخ مجرد ماضٍ ساكن، بل طبقات متراكبة من المعنى.
هناك تقف كاتدرائية نيوكاسل شامخة، كأنها استعارة حجرية لعصرٍ كان يرى في العلو اقترابًا من السماء، وفي الضوء المتسلل عبر الزجاج الملوّن وعدًا بالخلاص.
لم تكن القوطية Gothic، في نشأتها، مجرد فن عمارة ، بل كانت كما يمكن أن يُفهم في ضوء فلسفة توما الأكويني، تجسيدًا لنظام كوني متكامل، حيث يتناغم الجمال مع الحقيقة، ويتكامل الحسّي مع العقلي والروحي في بنيةٍ واحدة
فالارتفاعات الشاهقة لم تكن زخرفة، بل لاهوتًا مرئيًا، ومحاولة لرفع الإنسان من ثقله الأرضي نحو أفق الماوراء.
لكن المفارقة التي تستوقف الزائر اليوم لا تكمن في بقاء الحجر، بل في غياب المعنى الذي كان يسكنه.
فالكاتدرائية التي كانت يومًا فضاءً للخشوع، تحولت إلى فضاءٍ للمشاهدة ، خلت من حضور العبادة والنص المقدّس، ولم يبقَ فيها سوى الزجاج الملوّن، والخشب، وانعطافات الحجارة التي تعود في بنيانها في الأصل الى سنوات القرن الثاني عشر الميلادي، و تحديدًا بعد عام 1091، عندما أمر النورمان (بعد غزو إنكلترا) ببناء كنيسة في الموقع نفسه، وتطور بنائه مع نهضة الهندسة و الفن المعماري القوطي.
ولكن لم المس في زيارتي لتلك الكاتدرائية التي خلت من اية طقوس سوى صوت واحد خافت ، يتسلل بين الجدران وهو يقول : لقد انسحب الإيمان… وبقي الشكل ايها الرجل القادم من شرق المتوسط.
هذه اللحظة من هفوت الصوت التي وجب على مخيلتي قراءتها فلسفيًا، بوصفها انتقالًا من “عالم المعنى” إلى “عالم الصورة”، وهو ما تنبأ به فريدريش نيتشه حين أشار إلى أن الإنسان الحديث سيواجه فراغًا بعد أفول المرجعيات الكبرى.
في هذا الفراغ، لا تختفي القيم، بل تتحول… تتشظى… وتبحث عن أشكال جديدة للظهور.
ولعل القوطية الحديثة هي أحد هذه الأشكال.
خارج الكاتدرائية، لا نرى أقواسًا حجرية، بل أجسادًا بشرية تعيد إنتاج القوطية بطريقة أخرى:
ملابس داكنة، ملامح مشبعة بالغموض، ونزوع واضح نحو كسر المألوف.
هنا، لم تعد القوطية عمارة، بل صارت “جمالية وجودية”.
إنها، بلغة ميشيل فوكو، شكل من أشكال “تشكيل الذات” (Self-Formation) حيث يعيد الفرد كتابة هويته خارج الأطر المعيارية للمجتمع.
وهي في الوقت ذاته تعبير عن قلق عميق، وعن بحث مستمر عن معنى في عالم فقد يقينياته.
ليس من قبيل المصادفة أن تتغذى هذه الثقافة على أدب الظلال، كما في أعمال إدغار آلان بو، أو مثل سرديات دراكولا، حيث يمتزج الجمال بالرعب، والحياة بالموت، والحضور بالغياب.
فالقوطية هنا ليست تمجيدًا للظلام بقدر ما هي محاولة لفهمه.
وفي العصر الرقمي، حيث تتسارع الصور وتذوب الحدود، وجدت هذه القوطية الجديدة بيئتها المثلى.
فمنصات مثل Instagram وTikTok لم تكتفِ بنقل الظاهرة، بل أعادت تشكيلها محوّلة إياها إلى هوية مرنة، قابلة للتبنّي والتخلي، وقابلة للتداخل مع أنماط ثقافية أخرى.
غير أن هذا التحول يثير، في السياقات غير الغربية، نوعًا من القلق المشروع.
فحين تنتقل القوطية من سياقها التاريخي إلى بيئات مختلفة، قد تُفهم بوصفها اغترابًا أو قطيعة مع القيم المحلية.
لكن هذا القلق، وإن كان مفهومًا، يحتاج إلى إعادة تفكير.
فكما يشير زيغمونت باومان في حديثه عن “الحداثة السائلة” فإن الهويات لم تعد ثابتة، بل أصبحت في حالة سيولة دائمة، يُعاد تشكيلها باستمرار عبر التفاعل مع العالم.
من هذا المنظور، لا تكون القوطية تهديدًا بقدر ما تكون عرضًا لتحول أعمق:
تحول من هوية مُعطاة إلى هوية مُختارة.
ومن الطريف أن الذاكرة العراقية تحمل بدورها مفردة “القوطية”، لكنها تشير إلى شيء مختلف تمامًا:
علبة صغيرة تُجمع فيها النقود المعدنية، رمز للادخار والانضباط، وطقس طفولي بسيط يربط الحاضر بالمستقبل.
هنا تتقاطع كلمتان متشابهتان لفظًا، متباعدتان معنى:
قوطية الحجر، وقوطية الطفولة.
الأولى تعبير عن سموّ روحي،والثانية عن اقتصاد أخلاقي صغير،
أما الثالثة "قوطية الحاضر " فهي تعبير عن قلق الإنسان المعاصر.
وهكذا، لا تعود القوطية سؤالًا عن الذوق أو المظهر، بل تتحول إلى سؤال فلسفي أعمق:
كيف يعيد الإنسان تشكيل ذاته في عالم يفقد معانيه الكبرى؟
ربما لا تكمن الإجابة في رفض هذه الظواهر أو القبول بها، بل في فهمها بوصفها علامات على تحولات أعمق في بنية الوعي الإنساني.
ختامًا، فالقوطية في نهاية المطاف ليست ظلامًا، بل لغة أخرى للبحث عن الضوء.
ولعل تلك الخيوط اللونية التي تسللت يومًا عبر زجاج كاتدرائية نيوكاسل لم تكن مجرد أثرٍ بصري عابر، بل بقايا معنى لم ينطفئ بعد، معنىً ظلّ معلقًا بين الحجر والإنسان، بين الإيمان القديم وأسئلة الحاضر.
فالقوطية، في تحولها من بناءٍ يشير إلى السماء إلى حالةٍ تبحث عن ذاتها في الأرض، لا تفقد جوهرها بقدر ما تغيّر لغتها.
وهكذا، يبقى الإنسان في كل تجلياته، كائنًا يبحث حتى في أكثر عتماته عن خيط ضوءٍ يعيد وصل ما انقطع بين الشكل والمعنى.