
مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن
كنا اثنين نطحن أيامنا تحت رحى تحرير خمس صفحات ثقافية يومية، كأننا نُساق كل صباح إلى معركة بلا هدنة. ثم غادرتنا لينا الطيبي بعد زواجها، وتركت وراءها فراغا يشبه الكرسي الفارغ في غرفة تحرير مزدحمة. كان يفترض أن يكون معنا صادق الصائغ، صحافيا قبل أن يكون شاعرا، لكن الاتفاق لم يكتمل من جهة رئاسة تحرير صحيفة الزمان آنذاك.
في تلك الصورة الفوتوغرافية التي تعود إلى أكثر من ربع قرن، كنت أطلعه على مطحنة عملنا اليومي، كأنني أقدّم له خارطة الطريق التي لم يمشِ عليها معنا.
بعدها وجد الصائغ طريقا آخر… طريقا يقود إلى ثقافة الاحتلال. التحق بفريق بول بريمر مستشارا، وعاد إلى بلاده المحتلة بعد عقود من مغادرتها، لكنه لم يجد العراق الذي حمله في جيبه طوال غربته. وجد شيئا يشبهه في الاسم فقط، فعاد أدراجه إلى لندن خائبا، ليجلس في مقهى الشيخوخة ووحدتها.
في المرة الأخيرة التي رأيته فيها قبل أشهر، كان يتوكأ على سنوات الخيبة. سلّم عليّ ببرود كهل هدّته الأيام. ذكّرته بمفارقة الشبه بينه وبين القاص عبد الستار ناصر، وكيف كان الآخرون يخلطون بينهما. ابتسم وقال: “أما زلت تتذكر القصة يا كرم!” كأنه يستعيد آخر ما تبقى من خفة الروح.
قبل أيام فقط، كتب صادق الصائغ على لسان صديق — وربما كان ذلك صوته الداخلي فما أوجع من يترقب موته — جملة تشبه وصية رجل ينتظر موته هكذا: “الاكتئاب والوحشة. قلت له مقللا من غلوائه يا صديقي… هذا ما تبقى. إن استطعت أن تضحك في هذا العمر، فافعل. وإن لم تستطع، فخبّئ ضحكتك في جيبك واسكت. لكن لا تتوهم… فالعراق الذي تحلم به ليس حلا”.
مات صادق الصائغ اليوم. مات الشاعر الذي عاد يبحث عن وطن فلم يجده حتى عند من احتلوه. وبقي العراق الذي حلم به….