صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/5/6 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
العراق.. رؤية في تكليف رئيس الحكومة


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/05/06 - 9:26 AM
آخر تحديث 2026/05/06 - 2:31 PM

العراق.. رؤية في تكليف رئيس الحكومة

د. خالد قنديل

عضو مجلس الشيوخ المصري

انفراجة سياسية مهمة شهدها العراق أبريل الماضي، بعد تكليف علي الزيدي رئيسًا للحكومة خلفًا لمحمد شياع السوداني، لتأتي هذه الخطوة، كنتيجة دالة وفارقة، على الرغم من التحديات القائمة والمستحدثة التي يواجهها العراق، الذي استطاع بجميع مكوناته الشعبية والرسمية أن يثبت مُضيه قُدمًا باتجاه البناء الشامل والاستقرار والانطلاق إلى آفاق أبعد من ملامح المشهد العام للمنطقة في الوقت الراهن، وأبعد من العراقيل المحتملة في ظل التكوين القائم على الاختلافات سواء الطائفية أو السياسية.

وفي خطوة مهمة وفارقة ووسط توتر إقليمي متجدد وشائك، استطاع العراق أن يقفز فوق الرياح العاتية، ويستكمل ملامح الاستحقاق والتكوين السياسي للدولة عبر اختيار رئيس للوزراء، في وثبة جديدة ناجحة بعد نجاح الخروج الآمن من الانتخابات التشريعية، التي أسهمت في قطع أشواط كبيرة في مسارات التنمية وترسيخ صورة العراق استمرارًا لجهود حكومة محمد شياع السوداني، فبعد انتخاب نزار آميدي رئيسًا للجمهورية في الحادي عشر من أبريل لهذا العام، والذي جاء عقب أزمة سياسية عارضة أعقبت الانتخابات البرلمانية في نوفمبر من العام الماضي، أنهى التوافق في الإطار التنسيقي حالة الانسداد وتجاوز عثرة ترشيح نوري المالكي، الذي شهدت فكرة ترشيحه انقسامات كبيرة داخل المكون السياسي الشيعي، وكذلك تخوفات التيارات السياسية السنية والكردية، فضلا عن الاعتراض الذي أبدته أمريكا بلسان دونالد ترامب، والتهديد بفرض العقوبات التي وصفت بالـ"حادة" على العراق، في حال تم توليه رئاسة الحكومة.

وقد كلف الرئيس العراقي نزار آميدي، علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، في تطور مهم ودال، حيث ظنت بعض الأصوات أن الجمود سوف يطال هذا المسار في ظل هذه الصورة المرتبكة، وسوف تواجه عملية اختيار رئيس الوزراء صعوبات كبرى، غير أن المتابع للتجربة العراقية الحديثة سيعي أن الأزمة لن تتجاوز عامل الوقت مهما بدا من عراقيل، وقد رأى الجميع كيف نجحت الدولة في إجراء انتخاباتها التشريعية، وكيف اختير الرئيس، والتوتر الإقليمي لم يزل فارضا نفسه مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومباحثات وقف الحرب، والتخوف من تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات، خصوصًا مع تعرض مواقع عراقية عسكرية ودبلوماسية لطائرات مسيرة.

فأن ينجز العراق مرحلته الثالثة من الاستحقاق الدستوري بتكليف علي الزيدي برئاسة الوزراء بعد أن تنازل كل من رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي عن الترشح، ويأتي ذلك بعد انتهاء مهلة الخمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية، مع ترحيب القوى السياسية المختلفة بوجود الزيدي على رأس الحكومة، فإن هذه الخطوة المهمة تثبت -دون ظل من ريب- الاستعداد الدائم لدى الدولة في مواجهات التحديات كافة، واستمرارها بثقة وثبات في طريق النهضة وإثبات الوجود الذي شقته خلال الأعوام الماضية، وهذا العزم والإصرار على عدم التعرض مجددًا لدفع أثمان باهظة جراء أي نزاعات داخلية كانت أم خارجية، مما يشير إلى نضج الوعي الجمعي العراقي الذي مر على الحروب والانشقاقات، وكان يرى العراق الشامخ الضارب في جذور التاريخ، يتضاءل من قبل في ساحة الصراعات، فانبعثت الروح من جديد، وراح العراق يثب مدفوعًا بإرثه الحضاري والثقافي والتاريخي متخطيًا المحطات، وعازمًا على البريق والوجود بالصورة اللائقة بتكوينه الشعبي والحضاري والثقافي والجغرافي، وبثقله السياسي.

ولعلنا ننتبه إلى لفتة ملهمة من قبل محمد شياع السوداني رئيس الوزراء المنتهية ولايته، والذي أعلن استعداده الكامل للتعاون الجاد لضمان انتقال سلس للسلطة، فكان المشهد برمته مشهدًا صحيحًا ينبئ بمستقبل أرحب لبلاد الرافدين، إذ جاء التوافق بعد مقاطعة بعض الكتل لجلسات البرلمان وبعد تأجيلات، لكن الأمر انتهى بالتوافق، الأمر الذي يشي بالكثير.

يعكس اختيار رئيس الحكومة والتوافق عليه، رغم الأصوات التي تقلل من كفاءته أو قدرته على هذه المهمة،  نضجًا وفهمًا في الحوار السياسي الذي ارتقى بثبات فوق أي اختلافات، ليعبر بالبلاد عبورًا آمنا في ظل أي تحديات، ولتستكمل خارطة طريق مع سياسي يعد شخصية أكاديمية واقتصادية، نأمل أن تجد الدعم الكامل لاستكمال المسيرة في ظل معادلة حكم مقبولة، للاستمرار في مواجهة التحديات، أولا بتشكيل حكومة ذات خبرة ووطنية تستطيع أن تنال ثقة البرلمان برضا كامل، وأن تدير الملفات الاقتصادية والخدمية، وأن تحافظ على التوازن الدقيق والواضح في التعامل مع الملفات الخارجية، وخصوصًا الملف الذي يفرض نفسه على الساحة العربية والعراقية المتجسد في الصراع الأمريكي الإيراني، والثبات الذي يؤكد الاستقلالية العراقية، في ظل بيئة مشحونة بحسابات إقليمية ودولية،  للعبور بالبلاد، تحليقا في سماوات الاستقرار السياسي والأمني، والعمل على توسعة فرص النهج الذي يؤتي ثماره في المستقبل القريب بتنمية مستدامة، شاملة لمناحي الحياة كافة من تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتشجيع الاستثمارات، وتطوير قطاعات التكنولوجيا والزراعة والصناعة، والاعتماد على الطاقات الوطنية المتقدة من الشباب، والتشجيع على التعليم والابتكار، مع مواصلة قطع دابر الفساد، وتنفيذ الإصلاح الاقتصادي، والاعتماد على القدرات والكفاءات، وبناء مؤسسات، ومعالجة الفقر، والحد من البطالة، وتوفير الخدمات، والابتعاد عن فلسفة المحاصصة السياسية، بإعطاء الأولوية لبناء القدرات، والاستثمار في المستقبل.

نقلا عن" الاهرام"


تابعنا على
تصميم وتطوير