صحيفة
الإخبارية المستقلة
الجمعة 2026/9/25 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الآن وليس غدًا.. تحالف عربي موحد


المشاهدات 1020
تاريخ الإضافة 2026/09/24 - 11:15 AM
آخر تحديث 2026/09/25 - 12:58 AM

الآن وليس غدًا.. تحالف عربي موحد

د. خالد قنديل

ربما تتباين شعارات الحرب ودوافعها، وربما تختلف أطرافها، غير أن حقيقة واحدة تبقى على إطلاقها ولا تتغير، وهي أن الجميع خاسر في الحروب؛ لذا يمكن فهم تحريك القوى الكبرى دفة الحرب في أجواء المنطقة، التي لا يريدون لها أن تنعم بسلام، وتهنأ بثرواتها ومقدراتها، وقد ظلت على مدار التاريخ مطمعًا، غرست من أجله شوكة في ظهر الوطن عبر كيان محتل يدعى إسرائيل.

وقد بات الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على أكثر من صراع في الوقت نفسه، من الحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس، ومحاولة تدنيس المقدسات، إلى الحرب الأمريكية ـ الإيرانية وتداعياتها على أمن الخليج والممرات البحرية، وصولًا إلى اليمن، الذي يتحول مرة أخرى إلى إحدى أخطر نقاط الاشتباك في الإقليم.

في غزة، لا تزال الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب تتصاعد، فيما تستمر الضربات الإسرائيلية وسقوط الضحايا وتدهور الأوضاع الإنسانية، على الرغم من الحديث عن مسارات سياسية وخطط للسلام وإعادة الإعمار.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية أن الهجمات على المناطق المأهولة استمرت خلال الفترة التي غطاها تقريره الأخير، بالتزامن مع نقص حاد في الإمدادات الطبية والخدمات الأساسية. وفي الجبهة الإيرانية، أظهرت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية أن النزاع، حين يتجاوز حدود أطرافه المباشرة، لا تتوقف تداعياته عند ساحات القتال.

فمضيق هرمز وأمن الطاقة والملاحة الدولية أصبحت جميعها جزءًا من معادلة الصراع، فيما لا تزال الملفات الأساسية التي فجرت المواجهة، ومنها البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة، تنتظر تسوية أكثر استدامة.

أما اليمن، فيقدم الآن النموذج الأكثر خطورة لفكرة الحرب التي تتسع آثارها كلما طال أمدها. فقد تصاعدت المواجهات بين السعودية والحوثيين، وامتدت إلى استهدافات متبادلة، بينما حققت الجماعة الحوثية مكاسب في أجزاء من الساحل الغربي للبلاد، خصوصًا في محيط البحر الأحمر، وهو ما يجعل باب المندب عنصرًا مركزيًا في المعادلة الأمنية الإقليمية.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن الجماعة ما زالت قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه الأراضي السعودية. والأخطر أن الصراع بات يقترب من منطقة شديدة الحساسية دينيًا وسياسيًا؛ فقد أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيرة قالت إنها كانت متجهة نحو منطقة مكة، وهو ما نفته جماعة الحوثي، التي وصف زعيمها الاتهام بأنه ادعاء غير صحيح.

ومن الضروري هنا الفصل بين الادعاء والواقعة المثبتة، لكن المهم في الأمر أن مجرد وصول التصعيد إلى هذه النقطة يكشف حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن اتساع الحرب، وأمام هذا المشهد المضطرب الذي يتقافز فوق صفيح ساخن، تكتسب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، ولقاؤه الرئيس السيسي الأسبوع الماضي، أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. وهو ما تأكد في اللقاء الذي شهد اتفاقًا على أن العلاقات المصرية-السعودية ينبغي أن تكون نموذجية في الإطار العربي، وأن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، مع التشديد على أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، ودعم حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. كما تضمن الموقف المشترك تأكيدًا على القضية الفلسطينية والسعي إلى حل الدولتين، فضلًا عن التنسيق بشأن السودان وسائر الأزمات العربية. وهنا، ومن هذا الموقف، تبدو الحاجة إلى الانتقال من مفهوم التنسيق العربي الظرفي إلى مفهوم أكثر اتساعًا وشمولًا، بأهداف ترتبط ببناء قدرة عربية سياسية تستطيع أن تتحدث بصوت مسموع عندما تهتز المنطقة. ومصر والسعودية، بما تملكانه من ثقل سياسي واقتصادي وإستراتيجي، يمكن أن تشكلا محورًا لهذا التنسيق، ليس باعتباره حلفًا مغلقًا في مواجهة دول أخرى، وإنما باعتباره نواة لتحرك عربي أوسع.

والمطلوب هنا أعمق من فكرة إنشاء منظومة عسكرية جديدة؛ إذ إن الضرورة تقتضي بناء منظومة متكاملة لإدارة الأزمات، تشمل غرفة تشاور سياسية دائمة، وتنسيقًا مستمرًا في ملفات الطاقة والملاحة والأمن الغذائي، وموقفًا عربيًا موحدًا في الأزمات الكبرى، وقدرة على التحرك الدبلوماسي قبل أن تتحول الأزمات إلى حروب.

 

وقد طرحت مصر بالفعل فكرة ترتيبات أمنية عربية جديدة، تشمل تعزيز التكامل الأمني والدفاعي، وتنسيق القدرات المتاحة، ووضع أطر للاستجابة للأزمات وآليات للتنفيذ والمتابعة، استنادًا إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك.

ومن هنا أيضًا تأتي الحاجة إلى إعادة تعريف دور جامعة الدول العربية، التي تحتاج إلى أدوات تجعل قرارها أكثر تأثيرًا قبل وقوع الانفجار، وإلى إمكانية تحولها إلى منصة بمثابة «دولة» للتفاوض العربي الجماعي، وأن تشتمل على مركز دائم لإدارة الأزمات، وآلية للوساطة العربية، وقاعدة بيانات مشتركة للمخاطر، ومسار دبلوماسي سريع في النزاعات التي تهدد الأمن العربي والممرات البحرية.

ولا يعني امتلاك العرب قوة سياسية موحدة، بالضرورة، الذهاب إلى الحرب، بقدر ما يعني أن تصبح الدبلوماسية سلاحًا موازيًا أكثر قدرة على منع الحرب وتجنب نتائجها ومخاطرها؛ فالقوة السياسية الحقيقية هي التي تستطيع أن تجعل تكلفة استمرار الصراع سياسيًا واقتصاديًا أعلى من تكلفة التفاوض.

وقد أثبتت التجربة أن المنطقة بحاجة إلى معادلة واضحة لمواجهة التحديات، معادلة مضمونها تحالفات عربية قادرة على حماية الأمن والمصالح، وجامعة عربية أكثر فاعلية، ودبلوماسية جماعية تستطيع أن تتدخل قبل الانفجار، وتتحرك بعده لإطفائه، مع الاستفادة القصوى من لعبة «المصالح» السياسية مع الأقطاب الدولية، سواء التقليدية أو الناشئة، والقوى المسماة عظمى.

وبالنظر، على سبيل المثال، إلى الموقف الأمريكي من الصراع مع الحوثيين، وهو الموقف الذي دفع من قبل بشعلة الحرب إلى مدى بعيد في المواجهة مع طهران، صرح الرئيس الأمريكي ذو النزعة الاستحواذية بأن الحوثيين تواصلوا مع واشنطن، وطلبوا منها عدم التدخل في النزاع المتصاعد في اليمن، قائلًا: «لا يريدون منا مهاجمتهم». وقد لا يكون القرار الترامبي المتقلب مهمًا بقدر ما تبرز أهمية قراءة هذا السلوك، الذي يفرض وجود قرار عربي موحد، كأنه قرار نابع من دولة تمتد حدودها من المحيط إلى الخليج، ومن النهر إلى البحر.

يمكن للتنسيق المصري-السعودي أن يتحول من مجرد علاقة إستراتيجية بين دولتين إلى رافعة للعمل العربي المشترك، بحيث تصبح القاهرة والرياض جزءًا من منظومة أوسع، تتغير معها النظرة والسلوك تجاه منطقة الشرق الأوسط، التي تتعدد فيها الآن الجبهات من غزة إلى الخليج واليمن والبحر الأحمر. وكلما ازدادت قوة الموقف العربي الموحد، ازدادت فرص أن تكون لغة التفاوض أعلى صوتًا من لغة الصواريخ، وأن يصبح السلام نتيجة لتوازن سياسي حقيقي، لا مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.

نقلا عن " الاهرام"


تابعنا على
تصميم وتطوير